بقاء الكيان الصهيوني مرهون ببقاء إرث سايكس بيكو والدروع التي تحرسه
نتجت خريطة الشرق الأوسط الحالية من مخطط استعماري خبيث لترسيخ حالة العجز والفرقة ، وفهم الواقع السياسي المعقد، وأزمات المنطقة المستمرة، يقتضي منا العودة إلى اللحظة التي رسمت فيها القوى الغربية خطوط العزلة والفرقة بين أبناء الأمة الواحدة، وهو ما أحاول بيانه الآن.
1. العملاء وتفتيت أمتنا:
تشكل اتفاقية سايكس بيكو الموقعة عام 1916 المحطة الأبرز في تاريخ الشرق الأوسط الحديث حيث اتفقت القوى الاستعمارية على تقسيم تركة الدولة العثمانية ورسم حدود سياسية جغرافية جديدة دون النظر إلى الواقع الاجتماعي أو التاريخي لشعوب المنطقة، فكانت خطة ممنهجة لتفتيت الأمة وفصل مشرقها عن مغربها، وقد أفرز هذا التقسيم حكومات وممالك وظيفية ارتبط وجودها بالدعم الغربي لتبدأ مرحلة من استعباد الشعوب وإذلالها، وإضعاف مقومات قوتها لضمان استمرار التبعية للخارج.
2. حماية الكيان الصهيوني:
إن القراءة المتأنية للترتيب الزمني تظهر أن اتفاقية سايكس بيكو1916 كانت التمهيد الفعلي لوعد بلفور الذي ظهر 1917م، وفرض التقسيم الغربي حالة من الانقسام والضعف والتبعية للغرب في الجوار العربي، مما أتاح للغرب البيئة المثالية لزرع الكيان الصهيوني في قلب فلسطين وتوفير جدار حماية إقليمي له، وتتجلى هذه الوظيفة بوضوح في الأزمات والحروب العسكرية إذ تقف الدول المحيطة بالاحتلال موقف المتفرج أمام ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من إبادة، بل ويتجاوز الأمر الموقف السلبي إلى تقديم تعاون استخباري وعملياتي وإسقاط الصواريخ والمسيرات المتجهة نحو الكيان مما يؤكد أن هذه الكيانات أُنشئت في الأصل لضمان أمن الاحتلال وحماية حدوده.
3. قمع إرادة الشعوب:
ولتثبيت هذه المنظومة وضمان عدم ثورة الشعوب اعتمدت الأنظمة الوظيفية على أدوات قمع متعددة كان في مقدمتها استغلال الخطاب الديني عبر مشايخ السلطان، وجرى تحريف النصوص وتسخيرها لتخويف الشعوب من أي حركة تصحيحية أو خروج على الحاكم بدعاوى متعددة، مما كبل إرادة الأمة وأطال مدى التبعية.
ويغفل هذا الطرح التوظيف الصحيح للنصوص الشرعية إذ إن طاعة أولياء الأمور في الإسلام مقترنة ومحكومة بمدى التزامهم بطاعة الله ورسوله وبسط عدله وشرعه وحماية ثغور المسلمين، فإذا تحول ولي الأمر إلى أداة لحراسة الأعداء، وتمكينهم وقمع شعبه بطلت الطاعة الشرعية، وأصبح الواجب على الأمة خلعه والأخذ على يده حتى يعود إلى الحق أو يزول.
4. إلغاء الحدود:
تثبت الحقائق السياسية والمعطيات على الأرض أن تحرير فلسطين وإسقاط المشروع الصهيوني ليس مجرد مواجهة عسكرية مع الاحتلال بل هو عملية مرتبطة عضويا بتفكيك المنظومة السياسية والحدودية التي أرساها الاستعمار الغربي، والأنظمة التي أوجدتهم وأوجدت الترتيبات الاستعمارية يلعبون دور خط الدفاع الأول عن الكيان الصهيوني من خلال ضبط الحدود وقمع المقاومة، وبناء على ذلك فإن الرهان على تحرير الأرض دون إسقاط هذه الأدوات الوظيفية، وتجاوز حدود سايكس بيكو هو مراهنة على وهم إذ لن تنفك قبضة الاحتلال عن فلسطين إلا بعد أن تتهاوى الأنظمة والحدود التي تضمن بقاءه واستقراره.
5. الخاتمة: سقوط دروع الأعداء:
بقاء الكيان الصهيوني مرهون ببقاء إرث سايكس بيكو والدروع التي تحرسه، والقضاء على الاحتلال يستلزم بالضرورة إسقاط دروع الأعداء، وتفكيك الأنظمة التي أعاقت الشعوب عن تحقيق حريتها وكرامتها، وسقوط الاحتلال يبدأ بإسقاط جدار حمايته من حكام العرب ومرتزقتهم.




