لو يعلم الرعيل الأول من الإخوان المسلمين ماذا فعل الذين جاءوا من بعدهم لتبرأوا منهم إلا قليلاً

لو يعلم الرعيل الأول من الإخوان المسلمين ماذا فعل الذين جاءوا من بعدهم لتبرأوا منهم إلا قليلاً

 

لا يكاد يختلف اثنان على أن الرعيل الأول من جماعة الإخوان المسلمين نشأ في ظروف تاريخية صعبة، حمل فيها كثير من أفراده همّ مقاومة الاستعمار، وإحياء الشعور الإسلامي، والدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي والتربوي. كان كثير منهم يتحرك بدافع الإخلاص، والزهد، والتضحية، مهما اختلف الناس في تقييم منهج الجماعة وأفكارها.

لكن المأساة التي عرفتها كثير من الحركات والأحزاب عبر التاريخ أن الفكرة عندما تتحول إلى تنظيم ضخم، وتنتقل من جيل المؤسسين إلى أجيال لاحقة، قد تفقد شيئاً من صفائها الأول. فالولاء للفكرة قد يتحول إلى ولاء للتنظيم، والإصلاح قد يتحول إلى صراع على السلطة، والنقد الذاتي قد يُستبدل بالتبرير المستمر للأخطاء.

ولو قُدّر لكثير من رجال الرعيل الأول أن يشاهدوا ما آل إليه حال بعض من حمل راية الإخوان بعدهم، من انقسامات حادة، وصراعات داخلية، وتنازلات سياسية متناقضة، وتحالفات أثارت الجدل، وتقديم المصالح الحزبية في بعض الأحيان على القيم التي رُفعت في البدايات، لربما وقفوا موقف المستنكر مما حدث، ولقالوا إن الطريق قد انحرف عن كثير من المقاصد التي خرجوا من أجلها.

لقد رأينا في تجارب متعددة أن بعض القيادات الإخوانية انتقلت من خطاب يرفع شعار “الإسلام هو الحل” إلى ممارسات سياسية لا تختلف كثيراً عن الأحزاب التي كانت تنتقدها، حتى أصبح السؤال مشروعاً: ما الفرق بين حزب ذي مرجعية إسلامية لا ينعكس إسلامه في السياسات والأخلاق والمواقف، وبين أي حزب سياسي آخر يسعى إلى السلطة؟

إن النقد هنا لا يعني إنكار تضحيات كل أفراد الجماعة، ولا تجاهل وجود رجال مخلصين فيها إلى يومنا هذا، ولذلك جاء الاستثناء في العنوان: “إلا قليلاً”. فالتاريخ لا يُحكم عليه بالأبيض والأسود، وفي كل مرحلة يوجد من حافظ على المبادئ، كما يوجد من غلبته حسابات الواقع أو مصالح التنظيم.

إن أكبر درس يمكن استخلاصه من تجربة الإخوان المسلمين، كما هو حال سائر الحركات البشرية، هو أن التنظيمات ليست مقدسة، وأن حسن البدايات لا يضمن حسن النهايات، وأن الشعارات الكبيرة لا تكفي وحدها، بل لا بد أن تُترجم إلى مواقف صادقة ومراجعات شجاعة ومحاسبة دائمة.

فكم من فكرة عظيمة أفسدها سوء التطبيق، وكم من مشروع بدأ بروح الإصلاح وانتهى أسيراً لاعتبارات النفوذ والهيمنة. والوفاء الحقيقي للمؤسسين لا يكون بتقديس تجربتهم، ولا بالدفاع عن كل من جاء بعدهم، وإنما بمساءلة المسار على ضوء المبادئ التي ادّعوا أنهم قاموا من أجلها.

– محمد الحسيني السامرائي

  • Related Posts

    مصارف إنفاق النظام السعودي، الأمير سلمان والصدقات

      مصارف إنفاق النظام السعودي، الأمير سلمان والصدقات   بسم الله الرحمن الرحيم   الحمد لله رب العالمين القائل: {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ}…

    نصرة المسلمين المستضعفين في ديار الإسلام من فروض الأعيان

    نصرة المسلمين المستضعفين في ديار الإسلام من فروض الأعيان   نصرة المسلمين المستضعفين في ديار الإسلام بفلسطين واليمن ولبنان وتركستان وليبيا والسودان وأراكان وجل ديار الإسلام، والإعداد والتقوية العقائدية والبدنية…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    الجهاد

    الجهاد

    الجهاد

    الجهاد

    مصارف إنفاق النظام السعودي، الأمير سلمان والصدقات

    • من admin
    • أكتوبر 2, 2026
    • 7 views
    مصارف إنفاق النظام السعودي، الأمير سلمان والصدقات

    نصرة المسلمين المستضعفين في ديار الإسلام من فروض الأعيان

    • من admin
    • أكتوبر 2, 2026
    • 7 views
    نصرة المسلمين المستضعفين في ديار الإسلام من فروض الأعيان

    محاسبة شاملة لكل من تورط في الفساد أو أهان الشعب السوري

    • من admin
    • أكتوبر 2, 2026
    • 9 views
    محاسبة شاملة لكل من تورط في الفساد أو أهان الشعب السوري

    التقدمات والاعتداءات الجديدة للكيان الصهيوني في جنوب سوريا

    • من admin
    • أكتوبر 2, 2026
    • 7 views
    التقدمات والاعتداءات الجديدة للكيان الصهيوني في جنوب سوريا