لزوم التعاون والنصرة على الدين من الشرق الإسلامي إلى خراسان حتى غزة وسوريا وجزيرة العرب والمغرب الإسلامی
ميَّز الله تعالى في القرآن الكريم الكفار من أهل الكتاب عن الكفار المشركين وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الكفار المجوس يُعاملون في بعض الأحكام معاملة أهل الكتاب، أي أنهم یشبهون أهل الكتاب. ومع ذلك، فإن كفار أهل الكتاب والذین یشبهون أهل الكتاب رغم اختلافات بينهم، لهم اختلافات أيضاً مع الكفار المشركين، والكفار المشركون يشملهم في شريعة الله أحكام لا تشمل غيرهم.
ومع ذلك، إذا لم يكن لكفار أهل الكتاب والذين يشبهون أهل الكتاب في بعض الفترات التاريخية حكم يحاربون فيه المؤمنين، فإن الكفار المشركين سيحاربون المؤمنين دائماً وباستمرار. يقول الله تعالى بعد قوله«وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ» في الآية نفسها: «وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا» (البقرة: 217).
إذن، لغة خطاب هؤلاء الكفار المشركين مع المؤمنين شريطة أن يكونوا مؤمنين هي لغة القوة والسلاح دائماً، حتى يترك هؤلاء المؤمنون مضمون ومفاهيم الدين الأربعة ويسلموها لدين العلمانية، حينها يبقى للمسلمين دين فارغ من المحتوى، ويكتفي الكفار العلمانيون إذا لم يكونوا شيوعيين (دهريين) بهذا القدر.
لخص أبو الأعلى المودودي في كتابه «المصطلحات الأربعة في القرآن» مستنداً إلى الآيات والأحاديث والأدب العربي مفاهيم ومضمون الدين بهذه الأسماء:
1. السلطة الحاكمة
2. القانون والبرنامج
3. الطاعة والانقياد
4. العقاب والثواب
اليوم أيضاً، يريد الكفار العلمانيون الليبراليون كلهم في العالم من المؤمنين هذا بالضبط. فإذا أفرغوا دين المؤمنين من هذه المفاهيم الأربعة، فلن تكون هناك حرب من الكفار العلمانيين ضدهم، وسيتمكن هذا المسلم صاحب الدين الفارغ من مواصلة حياته الذليلة في أوروبا وأمريكا والأراضي المحتلة تحت حكم فلسطين وحتى في الصين.
أما إذا قال المؤمنون: «أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ» (الزمر: 3) وأعطوا هذه المفاهيم الأربعة لدين الإسلام، وقالوا للكفار العلمانيين: «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» (الكافرون: 6)، فيجب أن ينتظروا حرباً مفروضة من الكفار العلمانيين وهؤلاء الكفار العلمانيون الذين لهم مصالح مشتركة سيدخلون الحرب ضد المؤمنين متحدين ومتحالفين في جبهة واحدة، كما قال الله تعالى: «وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً» (التوبة: 36).
إذن، في الوضع الحالي يجب أن يكون جهادنا المسلح ضد هذا التحالف الكفري العلماني الذي يتكون من أعضاء الناتو والصهاينة وصغار العلمانيين مثل محمود عباس وبن زايد وبن سلمان والسيسي والملك عبد الله وأردوغان والجولاني وقسد وأمثالهم بقيادة أمريكا في إطار جبهة وتحالف واحد وشامل.
ونأخذ نحن في الاعتبار أن جبهة الكفار العلمانيين ليست تتكون من الكفار العلمانيين والمرتدين العلمانيين فحسب، بل كل كافر لا يتوافق مع التوحيد يشارك في هذه الجبهة المعادية للتوحيد، كما خانه الكفار اليهود وانضموا إلى جبهة الكفار العلمانيين المعتدين على دار الإسلام في المدينة، وكلهم كانوا يقاتلون تحت راية الكفار العلمانيين قريش. وهذا ما يحدث اليوم حيث أخذت أمريكا مكان الكفار العلمانيين قريش، وقادة مثل أبي لهب وأبي جهل وأمية بن خلف.
وبناءً على ذلك كتب الإمام الطبري رحمه الله تحت الآية الكريمة «وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ» (الأنفال: 73): «أن أولى التأويلين بقوله: {إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير}، تأويل من قال: إلا تفعلوا ما أمرتكم به من التعاون والنصرة على الدين، تكن فتنة في الأرض = إذ كان مبتدأ الآية من قوله: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} بالحث على الموالاة على الدين والتناصر جاء، فكذلك الواجب أن يكون خاتمتها به».
وكتب سيد قطب أيضاً تحت الآية «وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ» (الأنفال: 73) : إن الأمور بطبيعتها كذلك- كما أسلفنا. إن المجتمع الجاهلي لا يتحرك كأفراد إنما يتحرك ككائن عضوي، تندفع أعضاؤه، بطبيعة وجوده وتكوينه، للدفاع الذاتي عن وجوده وكيانه. فهم بعضهم أولياء بعض طبعاً وحكماً.. ومن ثم لا يملك الإسلام أن يواجههم إلا في صورة مجتمع آخر له ذات الخصائص، ولكن بدرجة أعمق وأمتن وأقوى. فأما إذا لم يواجههم بمجتمع ولاؤه بعضه لبعض، فستقع الفتنة لأفراده من المجتمع الجاهلي- لأنهم لا يملكون مواجهة المجتمع الجاهلي المتكافل أفراداً- وتقع الفتنة في الأرض عامة بغلبة الجاهلية على الإسلام بعد وجوده. ويقع الفساد في الأرض بطغيان الجاهلية على الإسلام وطغيان ألوهية العباد على ألوهية الله ووقوع الناس عبيداً للعباد مرة أخرى. وهو أفسد الفساد
«إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ» ..
ولا يكون بعد هذا النذير نذير، ولا بعد هذا التحذير تحذير.. والمسلمون الذين لا يقيمون وجودهم على أساس التجمع العضوي الحركي ذي الولاء الواحد والقيادة الواحدة، يتحملون أمام الله- فوق ما يتحملون في حياتهم ذاتها- تبعة تلك الفتنة في الأرض، وتبعة هذا الفساد الكبير.
ثم يعود السياق القرآني ليقرر أن الإيمان الحق إنما يتمثل في هذه الصورة:
«وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» ..
أولئك هم المؤمنون حقاً.. فهذه هي الصورة الحقيقية التي يتمثل فيها الإيمان.. هذه هي صورة النشأة الحقيقية والوجود الحقيقي لهذا الدين.. إنه لا يوجد حقيقة بمجرد إعلان القاعدة النظرية ولا بمجرد اعتناقها ولا حتى بمجرد القيام بالشعائر التعبدية فيها.. إن هذا الدين منهج حياة لا يتمثل في وجود فعلي، إلا إذا تمثل في تجمع حركي.. أما وجوده في صورة عقيدة فهو وجود حكمي، لا يصبح (حقاً) إلا حين يتمثل في تلك الصورة الحركية الواقعية..
کاتب: أبوعامر (خالد الحَمَوي)




