أعادت تصريحات المبعوث الأمريكي توم باراك بشأن استعداد أحمد الشرع للتوصل إلى تفاهم مع إسرائيل، بما في ذلك اتفاق عدم اعتداء قد يمهّد لتطبيع العلاقات، فتحَ النقاش مجدداً حول التفاوض والسلام مع إسرائيل.
ففي 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تحدث باراك عن هذا المسار، مع تأكيده أن اتفاقاً نهائياً لم يُبرم بعد. وكان الشرع قد تحدث سابقاً عن انسحاب إسرائيل إلى خطوط عام 1974، يعقبه التوصل إلى ترتيبات أمنية، ثم الدخول في محادثات بشأن سلام دائم.
لكن السؤال الجوهري هو: هل يجوز اختزال قضية إسرائيل في خلاف حدودي بين دمشق وتل أبيب، ثم إبرام اتفاق معها بذريعة حماية أمن سورية، والاطمئنان إلى أن خطرها قد زال عن السوريين، وأن اعتداءاتها ستظل مقتصرة على الفلسطينيين؟
إسرائيل ليست مجرد دولة مجاورة لها خلافات حدودية؛ فنشأتها وتوسعها ارتبطا باحتلال الأرض الفلسطينية وتهجير أهلها. ومن ثم، فإن أي اتفاق لا يتجاوز تأمين حدود دولة بعينها، ويُغيّب قضية احتلال فلسطين، إنما يتجاهل جوهر الصراع وأساسه.
الموقف القرآني: ردّ العدوان ونصرة المستضعفين.
بيّن القرآن الكريم بوضوح مبدأ مواجهة العدوان، فقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]
وقال سبحانه في موضع آخر، مذكّراً المسلمين بمسؤوليتهم تجاه المستضعفين: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: 75]
فالمسؤولية تجاه المظلومين لا تقف عند حدود الدول السياسية، ولا يجوز أن تُستبعد معاناة الشعب الفلسطيني وحقوقه من الحسابات السياسية والأمنية لسورية.
ومن يضحّي اليوم بحقوق الفلسطينيين ومعاناتهم في سبيل مصالحه السياسية ومكاسبه الشخصية، فما الذي يمنعه غداً من التضحية بحقوق أهل الجنوب السوري أو غيرهم للغرض ذاته؟
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113]
وقد فسّر الطبري الركون بالميل إلى الظالمين وقبول أقوالهم والرضا بأفعالهم، كما أورد القرطبي معاني الاعتماد عليهم والاتكاء إليهم وطاعتهم والرضا بصنيعهم.
فإذا أفضى التفاوض والسلام مع إسرائيل إلى الإقرار بالظلم، والتفريط بحقوق المظلومين، وتكريس الأمر الواقع الذي فرضه الاحتلال، كان ذلك من أوضح صور الركون إلى الظالمين.
الحكم الفقهي: الهدنة ليست تطبيعاً.
لا ينكر الفقه الإسلامي مشروعية الهدنة وموادعة العدو إذا اقتضتها مصلحة معتبرة. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: 61]
وقد بيّن الطبري في تفسيره أن السلم في الآية يشمل الموادعة وعقد الصلح على ترك القتال. [3] وعليه، يجوز التفاوض لوقف القتال مؤقتاً، أو تبادل الأسرى، أو الإفراج عن المعتقلين، أو تأمين الاحتياجات الإنسانية، متى اقتضت ذلك مصلحة المسلمين.
لكن ذلك مشروط بأن يُظهر الطرف الآخر ميلاً حقيقياً إلى وقف القتال، لا أن يستمر في عدوانه واحتلاله بينما تُمنح ممارساته غطاءً سياسياً باسم السلام.
ثم إن جواز الهدنة في حالات مخصوصة لا يعني جواز التطبيع غير المشروط، ولا إضفاء الشرعية على الاحتلال. فالأمر مختلف تماماً بين هدنة مؤقتة تُبرم لتخفيف الخسائر وحفظ القوة، وبين اتفاق يُخرج قضية الاحتلال من دائرة الاهتمام، ويجعل العلاقات الطبيعية مع المحتل بديلاً عن المطالبة بحقوق المسلمين. والأخير يتعارض قطعاً مع الأصول الشرعية التي تمنع إعانة الظالم على ظلمه والتفريط بحقوق المظلومين.
الحسابات الاستراتيجية:
هل تمنح الهدنة فرصة لاستعادة القوة؟
ثمّة سؤال لا بد من طرحه عند تقييم أي اتفاق مع إسرائيل: هل ستسمح إسرائيل فعلاً لجيرانها، خلال فترة توقف القتال، بأن يستعيدوا قوتهم ويبْنوا قدرات مستقلة ورادعة؟
إن منع نشوء قوى مستقلة وفاعلة في محيط فلسطين يُعدّ أحد المحاور الأساسية في الاستراتيجية الإسرائيلية.
والتعويل على اتفاق أمني لاستعادة القوة، من دون إدراك سلوك الطرف الآخر وأهدافه، رهان بالغ الخطورة. فتوقف المواجهة لا يعني بالضرورة انتهاء الضغوط؛ بل قد يرفع عن العدو عبء المواجهة المباشرة، ويمنحه فرصة لنقل الضغط إلى ميادين أخرى، عبر تأجيج الأزمات الداخلية وممارسة الضغوط السياسية وفتح جبهات جديدة، بحيث تُستنزف القدرات والموارد في أزمات أخرى، قد تبدو أقل كلفة من المواجهة المباشرة مع هذا العدو.
الخلاصة :
المسألة ليست رفض كل تفاوض، وإنما الخلط بين هدنة مؤقتة وسلام سياسي وتطبيع مع المحتل. إنها مسألة القبول بالذل والصمت العسكري إزاء الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية؛ أي الخضوع لعدو لا يستهدف سورية وحدها، بل يضع الأمة الإسلامية بأسرها في دائرة تهديده.
أبو أنس الشامی



