العلمانية التركية من مُثل أربكان الإسلامية إلى إسلام أردوغان الأمريكي وحقنها في الجولاني
عندما يقول البعض إن الجولاني أصبح أتاتورك سوريا، فهذا لا يعني أن العلمانية لم تكن موجودة في سوريا قبل الجولاني، بل يعني أن الجولاني يعمل باتباع سيناريو أتاتورك على نشر العلمانية وتطبيعها ثقافيًا بين أهل سوريا وهي علمانية كانت منذ نشأتها حتى الآن تُعرف كدين يقابل دين الإسلام و تعتبر كفراً بواحاً، وأن كل من يتبع بوعي وتعمد وإرادة واختيار العلمانية يخرج من دائرة الإسلام ويصبح مرتدًا، ولا يوجد خلاف في كفر وردة الحكومات العلمانية ولكن الجولاني باتباع سيناريو أتاتورك يعمل على تطبيع هذا الكفر البواح في سوريا.
انظروا إلى سجل أردوغان الحالي ثم إلى ردود فعل الجولاني تجاه احتلال الصهاينة في الوقت الذي يواصل فيه الكيان الصهيوني المحتل اعتداءاته الوحشية ضد الشعب الفلسطيني المظلوم ويعيش العالم الإسلامي في حزن وألم حيث أصبحت مواقف وسياسات الحكومة التركية العلمانية بقيادة أردوغان محل تساؤل وانتقاد شديدين أكثر من أي وقت مضى. عندما نحلل ما يحدث في تركيا وننظر إلى ماضي وحاضر هذا البلد، لا يمكننا أن نتجاهل بسهولة الخيانات الظاهرة والخفية لتيار يدعي أنه يدعم الإسلام.
كرس البروفيسور نجم الدين أربكان، والد الفكر الإسلامي المعاصر في تركيا، حياته كلها للجهاد من أجل تحرير تركيا من هيمنة العلمانية والعودة إلى هويتها الإسلامية الأصيلة إذ كان هدفه السامي هو “أسلمة تركيا” أي تأسيس حكومة قائمة على القيم القرآنية والسنة النبوية التي تجلب العزة والاستقلال والعدالة للشعب التركي والعالم الإسلامي بأسره. لقد وقف في وجه أطماع الغرب والصهيونية ولهذا السبب أُطاحت القوى الاستكبارية التي هي اليوم الداعم الرئيسي لسياسات الحكومة التركية الحالية بحكومته.
لم يدرك أربكان أنه من خلال الحكومات العلمانية وألاعيبها السياسية الديمقراطية، لا يمكن أبدًا تطبيق شريعة الله في المجتمع ولم يسبق للتاريخ أن شهد حكومة علمانية تتبع شريعة الله بإرادتها، بل إما إنها دُمرت بصاعقة وعاصفة وزلزال وغرق في البحر أو على يد المجاهدين مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظروا إلى العقدين الماضيين ومصير الإسلاميين في الجزائر ومصر وليبيا والصومال لكي تفهموا كل شيء.
إذن بعد عصر أربكان، شهدنا ظهور شخصية تولت قيادة تركيا تحت راية الإسلام بشعارات خادعة: يعتبر النقاد رجب طيب أردوغان علمانيًا متسللاً وصل إلى السلطة بدعم وهندسة دقيقة من أمريكا والدوائر الصهيونية وقد شهد أربكان نفسه أن أردوغان كان صنيعة الصهاينة. لم يكن الهدف من هذا التغيير في السلطة هو إقامة إسلام حقيقي، بل تطبيق نسخة محرفة منه وهو الإسلام الأمريكي الذي يخدم مصالح الكفر وخاصة أمريكا والكيان الصهيوني المحتل. تجلت أدلة هذا التعاون والخيانة، على مر السنين، في أوجه مختلفة:
– التعاون الاقتصادي والتجاري الواسع مع إسرائيل، فبينما تتلطخ يد الكيان الصهيوني بدماء أطفال غزة، تواصل حكومة أردوغان علاقاتها التجارية والاقتصادية مع هذا الكيان، بل في بعض الأحيان، من خلال تلبية احتياجاته الأساسية، تساهم في بقائه واستمرار جرائمه.
– الصمت أمام الظلم والعدوان أنه على الرغم من أنه قد يفتح فمه ليوجه الانتقادات، إلا أن هذه الانتقادات لم تؤد أبدًا إلى عمل حاسم وبقيت مجرد كلام. ليس هذا الصمت العملي فقط دعمًا للمظلومين، بل يعتبر تواطؤًا مع الظالمين.
– التوافق مع سياسات الناتو وأمريكا لا يمكن إنكاره أيضًا، وأن تركيا، كعضو رئيسي في الناتو هي عمليًا أداة في يد السياسات التوسعية لأمريكا والغرب في المنطقة وجميع الأراضي الإسلامية. وجود القواعد العسكرية الأمريكية والناتو على الأراضي التركية، هو دليل واضح على هذا التوافق الذي يتعارض بشكل صارخ مع مبادئ الاستقلال الإسلامي.
– لا يمكن إنكار التحول عن مُثل أربكان للأمة الإسلامية أيضًا، فبدلاً من أن تصبح تركيا نموذجًا للعالم الإسلامي في المقاومة والصمود، ابتعدت تدريجيًا عن مُثلها الإسلامية واتجهت نحو مصالح الغرب والصهيونية.في هذه الحالة، يمكننا القول إن ما يُقدم اليوم في تركيا على أنه إسلام، هو في الحقيقة غطاء لإخفاء سياسات علمانية وحتى معادية للإسلام، تخدم الكفار المحاربين والمحتلين العالميين والصهيونية. لا يتعارض هذا التوجه تمامًا مع تعاليم والدهم الروحي لأربكان فحسب، بل يُعد خيانة عظمى لمُثل الشعب التركي والعالم الإسلامي بأسره، الذي تجاهل وعد الله بعدم اتخاذ الأعداء أولياء، والتزم بعلامات النفاق.
إذن يمكن القول إن ما يجري اليوم في تركيا باسم الإسلام هو غطاء للتستر على السياسات العلمانية المناهضة للإسلام التي تخدم الكفار المحاربين والمحتلين في العالم والصهاينة. لا تعارض هذه التصرفات أعمال أبيهم المعنوي فحسب بل تعتبر خيانة صارخة لمثل الشعب التركي خاصة والعالم الإسلامي عامة وتتجاهل وعد الله تعالى لرفض اتخاذ الأعداء أولياء وتدل على نفاق متبع.
الكاتب: صلاح الدين الأيوبي (أبو محمد العفريني الكردي)




