كيف بدأت الصهيونية المسيحية تتحول من الارتداد إلى محرك للحروب في العالم؟!
قدم المتكلم والمفسر المسيحي الشهير ج. د. هال في مقابلته الأخيرة على قناة تاكر كارلسون أحد أدق وأكثر التحليلات استدلالاً عن ظاهرة طال انتظار إدانتها علناً. أجري هذا الحوار بعنوان «جذور الصهاينة المسيحيين: كيف أفسدت المسيحية الأمريكية ولماذا تنهار» أكثر من مجرد نقاش كلامي. إنه تشخيص لمرض روحي وسياسي خطير يُعد إلى جانب الحصار غير الشرعي لليهود في فلسطين المحتلة واللوبيات الصهيونية، أحد المحركات الرئيسية للصراعات الدامية باسم أسطورة إسرائيل الكبرى.
لا يتهاون هال المعروف بموقفه المسيحي الأرثوذكسي وكتبه مثل «الارتداد بالفاصل» الأكثر مبيعاً، في أي شيء.
ليست الصهيونية المسيحية تقليداً مسيحياً قديماً. إنها ظاهرة حديثة في القرن التاسع عشر، تعود جذورها إلى الفکرة التي اعتنقها جون نيلسون داربي الدجال الغريب الأيرلندي الذي رفض سلطة الكنيسة حيث قسم داربي تاريخ الخلاص إلى «عصور» إذ هناك فترات يعمل فيها الله بحسب قوانين مختلفة. في هذا المخطط، يحتفظ اليهود كشعب بمكانة خاصة منفصلة عن الكنيسة ولا يحل العهد الجديد محل العهد القديم تماماً.
يؤكد تاكر كارلسون أن هذا اللاهوت الزائف أثر في العالم الحقيقي، حيث فقد كثيرون حياتهم بسببه. كان الأداة الرئيسية لنشر هذه البدعة هي «كتاب مقدس سايروس سكوفيلد» (1909). يشير هال وكثير من النقاد بما فيهم المؤرخون إلى أن هذا الكتاب المقدس المشروح أعاد برمجة المسيحية الإنجيلية الأمريكية حرفياً.
روَّج سكوفيلد لفكرة أن على المسيحيين «مباركة إسرائيل» ليباركوا هم أنفسهم (تفسير مشوه لسفر التكوين 12:3).
يكرر ساسة أمريكيون مثل السفير المثير للجدل مايك هاكب وتيد كروز الذي يعمل لصالح أيباك، هذا الشعار الطائفي دون أن يجدوا حتى مصدره الدقيق في الكتاب المقدس المسيحي. يتذكر كارلسون كيف لم يستطع كروز تذكر مكان وجود هذا الشعار في الكتاب المقدس. من منظور المسيحية الكلاسيكية (واللاهوت هو العهد الذي طرحه الرسل وآباء الكنيسة والمصلحون الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت) هذه بدعة خالصة.
يقول الرسول بولس بوضوح في رسالة غلاطية 3: «إن الوعود التي أُعطيت لإبراهيم تحققت في المسيح ويصبح المؤمنون بغض النظر عن العرق نسل إبراهيم ووارثيه. يؤكد هال: ليس هناك شعبان لله، بل شعب واحد هو الكنيسة.
يفصل أصحاب هذه الفكرة الكنيسة عن إسرائيل ويجعلون الأخيرة «مختارة» أبدية مقدر لها أرض من النيل إلى الفرات. هذا أساس لاهوتي مزيف للعدوان والتوسع.
اليوم، لم يعد الصهاينة المسيحيون يعيشون في الهام بل إنهم يشكلون لوبياً قوياً في الولايات المتحدة يؤثر في السياسة الخارجية. يناقش هال في مقابلته مع كارلسون اضطهاد المسيحيين في إسرائيل والدعاية بل وحتى استخدام الذكاء الاصطناعي للاستهداف.
بالنسبة لهم، إسرائيل الحديثة هي ساعة نهاية الزمان وأي نقد أو دعم للفلسطينيين لعنة. إذن يأتي الدعم غير المشروط لحروب الصهاينة: العراق وسوريا ولبنان والآن التصعيد ضد إيران.
يسأل كارلسون: «هل يمكن للمسيحيين دعم الحرب مع إيران؟» الجواب من هال مصحوباً بالعقل السليم واضح: لا. هذا ليس نبوءة كتابية، بل مشروع جيوسياسي غارق في أكاذيب لاهوتية.
أفسدت الصهيونية المسيحية المسيحية الأمريكية وحولتها من دين المسيح إلى أداة للإمبريالية والقومية العرقية. حولت الكنائس الكبرى والمبشرين التلفزيونيين والسياسيين مثل هاكبي الذي يشكك هال في دوافعه الإنجيل إلى دفتر شيكات لتل أبيب.
هؤلاء يتجاهلون أن العهد الجديد يعلن عالمية الخلاص، لا امتيازات الدم. في رسالة رومية 9-11، يتحدث بولس عن الأغصان التي قُطعت بسبب عدم الإيمان والأغصان البرية التي طُعمت مما يلغي التسلسل العنصري للمختارين.
هال متفائل: المسيحيون يستيقظون. الإنترنت والأصوات المستقلة مثل كارلسون وهال يكسران الاحتكار. الجيل الشاب يرى صور المعاناة في غزة واضطهاد المسيحيين الفلسطينيين ويدرك أن الدعم غير المشروط لكيان صهيوني يقصف المستشفيات والكنائس ويقتل الأطفال والرضع لا علاقة له بأمر “طوبى لصانعي السلام”
الصهيونية المسيحية أكثر من وهم. إنها أيديولوجيا خطيرة تستبدل المسيح بصنم عرقي (اليهود) والكنيسة بأداة حرب. تحرف الكتاب المقدس المسيحي وتنشر الكراهية وتبرر سفك دماء الآلاف باسم إسرائيل الكبرى. بدعة سياسية وصلت إلى الإفلاس الأخلاقي وانهيار هذه الأيديولوجيا الدامية ليس مأساة، بل تطهيراً طال انتظاره.
الكاتب: أبو عامر (خالد الحموي)




