تطورات الحرب وأزمة الناتو والنظام العالمي الجديد (٢)
النظام العالمي القديم ينهار
منذ حوالي عام ٢٠٢٤، حين دخلت الحرب مرحلة الاستنزاف، يجري صراع نشط لإعادة تشكيل النظام العالمي. فلم تعد القوانين القديمة تُطبق وهذا واضح في حرب روسيا وأوكرانيا وفي نزاعات كحرب إيران.
فالنظام القديم القائم على القوانين والقوة التي تحافظ عليها، قد دُمر عملياً ولا يُدمر هذا النظام من قبل روسيا وحلفائها فحسب، بل أيضاً من خلال الأفعال أو تقاعس اللاعبين الغربيين الرئيسيين، بما فيهم الولايات المتحدة الأمريكية الذين يشككون في وحدة الغرب وينقلون مسؤولية أمن أوروبا إلى الأوروبيين أنفسهم.
يُحدد تشكيل النظام الجديد أولاً بالثورة التكنولوجية وخاصة الذكاء الاصطناعي وعواقبه غير قابلة للتنبؤ وتعتمد على كيفية عبور الدول والمجتمعات بما فيها أوكرانيا لهذا الانتقال ويصبح الشباب وقدرة الدولة على تنمية رأس المال البشري عاملين حاسمين.
أوكرانيا: الأمن بوصفه الأساس الوحيد للمستقبل
بالنسبة لأوكرانيا الاستنتاج واضح: مستقبلها يكمن حصراً في مجال الأمن والأمن ليس لذاته بل كشرط مسبق للتنمية الاقتصادية. وهذا ممكن فقط في تحالفات قادرة على الاستجابة لتحديات النظام العالمي الجديد.
فلم تعد أوكرانيا مجرد متلقٍ للمساعدات بل هي مصدر للخبرة والتكنولوجيا والحلول وبدونها يستحيل بناء هندسة أمنية أوروبية وأوسع نطاقاً غربية مناسبة للقرن الحادي والعشرين ومحاولات استرضاء بوتين أو البحث عن مناطق رمادية لن تؤدي إلا إلى مزيد من الدمار.
تفسيرنا:
خطاب زالوجني تشخيص وتحذير في آن واحد والتشخيص دقيق: فقد تحولت الحرب حقاً إلى مختبر تكنولوجي حيث تجعل الطائرات المسيرة الرخيصة والإنتاج الضخم والحرب الإلكترونية والأنظمة المستقلة وشبكات المستشعرات والمنصات الباهظة التكلفة للعصر السابق بلا قيمة ويتلاشى معنى احتلال الأرض ومعتقدات الناتو الكلاسيكية متخلفة.
وهذا التحذير موجه أولاً إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية: زمن الضمانات الكلاسيكية وبنود المعاهدات يمر وسيكون الرابح من يتقن أسرع الهجمات المستقلة والذكاء الاصطناعي التكتيكي والعمليات الخمسية المجالات وأوكرانيا موجودة بالفعل في هذا الواقع أما الغرب فلم يصل إليه بعد.
ونقطة الضعف في موقف زالوجني هي الغموض النسبي للآلية المحددة لإنشاء كتلة أوروبية جديدة ومصادر الموارد للتقدم التكنولوجي الأوكراني وسط الحرب الاستنزافية المستمرة.أما نقطة القوة فهي الصدق والمقاربة المنهجية: فهذا الموقف لا يخفي حجم التحديات التي تواجه كييف أو شركاءها.
وبالمجمل يُعدّ هذا أحد أهم النصوص الاستراتيجية أو العروض الشفوية لعام ٢٠٢٦ حول حروب المستقبل. فهو يرسم الانتقال من عصر الأراضي والدبابات إلى عصر المجالات والخوارزميات ويذكرنا: من لا يستطيع التكيف سيبقى رهينة للإرادة التكنولوجية لشخص آخر.
الكاتب: أبو عامر (خالد الحموي)




