رقابة الأمة على أعمال الحاكم، ورضا الحاكم بمحاسبة الأمة له
وحين قام عمر – رضي الله عنه – يخطب الناس فيقول : أيها الناس، اسمعوا وأطيعوا، فقام له سلمان رضى الله عنه يقول: لا سمع لك اليوم علينا ولا طاعة !
فلا يغضب عمر، ولا يأمر بحبسه ولا جلده، إنما يسأله : ولمه ؟
فيقول سلمان : حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذي انتزرت به، وأنت رجل طوال لا يكفيك برد واحد كما نال بقية المسلمين
فينادى عمر رضى الله عنه ولده عبد الله بن عمر ، فيقول له: نشدتك الله ! هذا البرد الذي انتزرت به أهو بردك؟
فيقول : نعم ! هو بردى أعطيته أمير المؤمنين لأنه رجل طوال لا يكفيه برد واحد كما نال بقية المسلمين،
فيقول سلمان رضى الله عنه : الآن مر! نسمع ونطع
فيضع كلاهما: السائل والمسئول أعظم القواعد السياسية التي يقوم عليها الحكم العادل: رقابة الأمة على أعمال الحاكم، ورضا الحاكم بمحاسبة الأمة له، لم يكن أحدهما قد قرأ الفلسفة اليونانية ولا سمع عنها، ولا شاهد شيئا من هذا القبيل في أي مكان في الأرض يوميذ، إنما كان قد قرأ كتاب الله، وتلقى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحين ضرب ابن عمرو بن العاص الشاب القبطي الذي نال جائزة السباق دونه ضربة بالعصا، فشكا أبوه إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فقال عمر لعمرو : يا عمرو ! متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟! فوضع بذلك أعظم قاعدة في معاملة البلاد المفتوحة، تلك القاعدة التي لم تفى إليها البشرية قط في قديم ولا حديث، لم يكن قد قرأ الفلسفة اليونانية، ولا كتابا مؤلفا عن الحرية، إنما كان قد قرأ كتاب الله، وتلقى عن رسوله صلى الله عليه وسلم.
– محمد قطب، من قضايا الفكر الإسلامي المعاصر ص٧٦




