خطبة عرفة وقضية الأمة الغائبة و إن الإسلام ليس دين طقوس صماء، ولا شعائر منعزلة عن واقع الأمة

خطبة عرفة وقضية الأمة الغائبة و إن الإسلام ليس دين طقوس صماء، ولا شعائر منعزلة عن واقع الأمة

 

 

حين يتحول الحياد إلى خيانة:

وقف فضيلة الشيخ الدكتور علي بن عبد الرحمن الحذيفي، إمام الحرم النبوي، على أعظم منبر إسلامي سنوي، منبر يوم عرفة، ليوجه رسالة إلى ملايين المسلمين، مفادها: “لا جدال في الحج، ولا شعارات سياسية، ولا دعوات حزبية”.

 

كلمات تبدو للوهلة الأولى تقية، ملتزمة بنص قرآني كريم، ومتوافقة مع روح الشعيرة. ولكن، أي منطق هذا الذي يصنف الجرائم المرتكبة بحق أمة كاملة بأنها “شعارات سياسية” إن تحدثنا عنها؟ وأي فهم للإسلام ذلك الذي يرى في الصراخ تحت وطأة القتل والتهجير والاغتصاب والتجويع “دعوات حزبية”؟

 

أولاً: تفكيك المصطلحات الملغومة

لنكن واضحين منذ البداية: هناك فرق شاسع بين النزاعات الحزبية الضيقة، وبين قضية أمة تنحر أمام أعين العالم. عندما نتحدث عن غزة، فإننا لا نتحدث عن خلاف على مقعد وزاري، ولا عن تنافس على سلطة، ولا عن شعارات أيديولوجية مجردة. نحن نتحدث عن:

 

· أكثر من مئة ألف بين شهيد وجريح ومفقود.

· تدمير ممنهج لمدن كاملة عن آخرها.

· تجويع متعمد لأكثر من مليوني إنسان.

· اغتصاب للأرض والعرض والإنسان.

· تهجير قسري هو الأكبر في العصر الحديث.

 

فهل هذه “شعارات سياسية”؟ أم هي أبشع جريمة إنسانية ترتكب في القرن الحادي والعشرين، ويشهدها العالم بأسره، وتقف الأمة الإسلامية أمامها عاجزة عن النطق بكلمة حق؟

 

ثانياً: عن أي إسلام نتحدث؟

إن الإسلام الذي لا يتحرك صاحبه لقضية بهذا الحجم، والذي يعتبر الحديث عنها على منبر عرفة “جدالاً ممنوعاً”، هو إسلام مبتور، فارغ من محتواه الأخلاقي والإنساني.

 

أين نحن من قول الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾؟

 

أين نحن من قول النبي صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”؟

 

إن الجسد الإسلامي اليوم يشتكي بل يكاد ينزف حتى الموت، وأعضاؤه نيام، بل والأدهى أن بعض ألسنته تُحرّم الكلام عن هذا النزيف في أقدس الأوقات والأماكن، بحجة أن هذا “شعارات سياسية”!

 

ثالثاً: تسييس الدين ضد الدين

المفارقة الكبرى أن ربط قضية غزة “بالسياسة” هو في حد ذاته تسييس للدين، لكنه تسييس لصالح القاتل ضد الضحية. إنه تحويل للمحرقة الكبرى إلى مجرد “قضية خلافية” يُطلب من ضحاياها السكوت عنها في مواسم عبادتهم، لئلا “يتكدّر صفو الحجيج”، وكأن صفو الحجيج أهم من دماء مئات الآلاف!

 

إن هذا الخطاب المريض يضع الأمة أمام تناقض قاتل: إما أن تكون متدينة صامتة عن جرائم كبرى ترتكب بحقها، وإما أن تتكلم فتوصم بأنها تُدخل “السياسة” في الدين. هذا تزييف للوعي، وتخدير للضمير، وجريمة فكرية لا تقل بشاعة عن الجريمة الميدانية.

 

رابعاً: متى تكون القضية إسلامية إذن؟

لو كانت قضية غزة “سياسية” لا يجوز الحديث عنها في خطبة عرفة، فلتخبرنا أين ومتى تصبح “إسلامية”؟ ما هو الحد الأدنى من الموت والدمار الذي يسمح لأئمتنا أن يذكروا إخوانهم بكلمة؟

 

· هل عندما يُباد قطاع غزة بالكامل؟

· هل عندما يتم تهجير ما تبقى من سكانه إلى سيناء؟

· هل عندما تُمحى فلسطين عن الخريطة ويُسدل الستار على القضية نهائياً؟

 

إن هذا المنطق الأعوج يعني شيئاً واحداً: أن الأفضل للأمة أن تبقى صامتة حتى تموت بهدوء، على أن ترفع صوتها بما يزعج قاتليها وحلفاءهم.

 

خامساً: منبر عرفة ليس للصمت على الجرائم

إن منبر عرفة هو أعلى منبر إسلامي، يحضره ملايين المسلمين، وتنقله وسائل الإعلام للعالم أجمع. فإذا لم يُذكر المظلومون على هذا المنبر، فأين يُذكرون؟ في زوايا المساجد المهجورة؟ في بيانات الشجب التي لا يقرأها أحد؟

 

إن تخصيص دقائق من أقدس خطبة سنوية للدعاء لإخواننا في غزة، والتنديد بجرائم الاحتلال، وحث الأمة على نصرتهم، ليس “شعاراً سياسياً”، بل هو واجب الوقت، وذروة سنام الإسلام: كلمة حق عند سلطان جائر، أو في وجه طاغوت عالمي متغطرس.

 

ختامًا: الصمت جريمة

لن نخدع أنفسنا، ولن نرتدي أقنعة الحياد المزيف. إن الصمت عن الجرائم المرتكبة في غزة بحجة “عدم تسييس الدين” هو في حقيقته تسييس للدين، لكنه تسييس لصالح المعتدي.

 

إن الإسلام ليس دين طقوس صماء، ولا شعائر منعزلة عن واقع الأمة. إنه دين حياة، دين جهاد ومقاومة، دين أمر بإنقاذ المظلوم ولو كان على حساب راحتنا وطمأنينتنا.

 

والسؤال الذي سيبقى معلقاً: إذا كانت قضية بهذا الحجم “شعارات سياسية ودعوات حزبية”، فما هي قضية الإسلام إذاً؟ وعن ماذا ندافع؟ ومتى يكون الكلام واجباً إن لم يكن الآن؟

 

 

  • Related Posts

    حماس و قيام أجهزة السلطة باعتقال الأسيرة المحررة الطبيبة شيماء أبو غالي من جنين

    حماس و قيام أجهزة السلطة باعتقال الأسيرة المحررة الطبيبة شيماء أبو غالي من جنين     السلطة تعتقل الطبيبة شيماء أبو غالي من مدينة جنين بعد ثلاثة شهور فقط من…

    التفسير المخزي العملي للقرآن الذي يقدمه حكام العرب وعبيد الولايات المتحدة الأمريكية مثل الجولاني ومحمود عباس وبن سلمان

    التفسير المخزي العملي للقرآن الذي يقدمه حكام العرب وعبيد الولايات المتحدة الأمريكية مثل الجولاني ومحمود عباس وبن سلمان   يقول الله تعالى عن إحدى الصفات القبيحة لليهود: «مِنَ الَّذِينَ هَادُوا…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    حماس و قيام أجهزة السلطة باعتقال الأسيرة المحررة الطبيبة شيماء أبو غالي من جنين

    • من admin
    • يوليو 17, 2026
    • 1 views
    حماس و قيام أجهزة السلطة باعتقال الأسيرة المحررة الطبيبة شيماء أبو غالي من جنين

    التفسير المخزي العملي للقرآن الذي يقدمه حكام العرب وعبيد الولايات المتحدة الأمريكية مثل الجولاني ومحمود عباس وبن سلمان

    التفسير المخزي العملي للقرآن الذي يقدمه حكام العرب وعبيد الولايات المتحدة الأمريكية مثل الجولاني ومحمود عباس وبن سلمان

    الخوف واليأس الخفي يصيبان برميل الشام المحيسني عندما يسلط الضوء على قوة إيران الناعمة وردعها

    • من abuaamer
    • يوليو 17, 2026
    • 2 views
    الخوف واليأس الخفي يصيبان برميل الشام المحيسني عندما يسلط الضوء على قوة إيران الناعمة وردعها

    ثوابت عطون في دوحة الجهاد! هل بقي شيء من ثوابت عطون ثابتا؟

    • من admin
    • يوليو 17, 2026
    • 2 views
    ثوابت عطون في دوحة الجهاد! هل بقي شيء من ثوابت عطون ثابتا؟

    شروط أمريكية جديدة وضعها الكونغرس لاستمرار دعم الحكومة السورية المؤقتة

    • من admin
    • يوليو 16, 2026
    • 3 views
    شروط أمريكية جديدة وضعها الكونغرس لاستمرار دعم الحكومة السورية المؤقتة

    تاكر كارلسون يكسر الإطار: «إسرائيل تهديد لأمريكا، وواشنطن رهينة اللوبي الصهيوني (2)

    • من abuaamer
    • يوليو 16, 2026
    • 2 views
    تاكر كارلسون يكسر الإطار: «إسرائيل تهديد لأمريكا، وواشنطن رهينة اللوبي الصهيوني (2)