المقاتلين الفرنسيين الغرباء فی سوریا: أن الأمان الحقيقي لا يكون في السكوت حين يجب أن يُقال الحق
الفرنسيين: مع ذلك كله، فإننا لا نحمل في قلوبنا بغضا لإخواننا المسلمين عندما يخطئون في تقديرهم، أو حين يخلط بعضهم بين ضعفه الشخصي والحكمة، وبين الاستسلام والبصيرة، أو بين الحذر والحق.
بل إن الذي نشعر به هو الحزن، حين نرى رجالا يدافعون بكل قوة عن نتائج بُنيت على مقدمات خاطئة، بينما يغفلون عما هو أولى بالدفاع والنصرة.
فالحق لا يُقاس بالخوف من العواقب، ولا بعدد من يتخلون عنه، ولا بالراحة التي يمنحها الصمت.
إن الكلمات التي لا تتجاوز اللسان تموت بموت قائلها. أما إذا خرجت الكلمة من يقين صادق، وحملها رجال يؤمنون بها حقا لا مجرد تمرين بلاغي أو خطاب إنشائي، فإن الله قد يكتب لها حياة تمتد بعد حياة أصحابها.
تتعاقب الأجيال، لكن بعض الخطابات تبقى على حالها؛ سريعة في التحذير ممن يتكلمون، بطيئة في نصرة من يتعرضون للضيم. وكأن المشكلة الحقيقية ليست الضيم نفسه، بل الذين لا ينامون على ضيم.
غير أن أكثر ما يثير عجبنا ليس ما يقولونه اليوم، بل ما لم يقولوه بالأمس.
فعندما تعرضنا للهجوم، وعندما وجدت النساء والأطفال أنفسهم وسط الأسلحة الثقيلة والرعب،
أين كانت دروسهم العظيمة في الشجاعة؟
أين كانت منشوراتهم؟ أين كانت دعواتهم إلى العدل وإنصافنا؟
لماذا لم نسمعهم يقولون :
«أيتها الحكومة، أبغضيني إن شئت، ولكن استهداف العائلات والنساء والأطفال أمر غير مقبول، والإسلام يحرمه» ؟
هناك يتجلى الفرق بين الأقوال والأفعال.
أما نحن، فنعتقد أن الحق لا يسري على أيدي أولئك الذين يجدون دائما سببا للصمت وعدم المخاطرة، وإنما يسري على أيدي من يقبلون حمل تبعاته.
فبينما يقضي بعض الناس سنوات في شرح ما لا ينبغي فعله، تبقى المظالم التي يزعمون أنهم يرفضونها قائمة.
وبينما ينشغلون بتحليل شجاعة
الآخرين، يدفع غيرهم الثمن.
وبينما يكتفون بالتعليق على الأحداث المؤلمة،
يعيشها غيرهم واقعا.
ولذلك سنواصل الكلام بإذن الله، لا لأننا نزعم لأنفسنا فضلا على غيرنا، بل لأننا نؤمن أنه ينبغي للمؤمن أن يخشى حساب ربه أكثر مما يخشى انتقاد الناس.
وإن رأى البعض في ذلك مجرد عاطفة مفرطة، فليستمروا في ظنهم.
أما نحن فنسأل الله أن تكون أهواؤنا كلها خاضعة لدينه، حتى لا تكون كلماتنا مجرد ألفاظ تنطق بها ألسنتنا، بل حقائق تحملها قلوبنا.
ومن أعجب الأمور أن كثيرًا من هذه النصائح تُخالف الشريعة، وبدهيات العقل، والفطرة الإنسانية.
وكأن التحلل في السواد يضمن السلامة،
وكأن الصمت يكفل الأمن، وكأن التخلي عن المسؤوليات يحفظ الإنسان من الظلم.
غير أن تاريخ البشر لا يشهد لشيء من ذلك.
فالساكت قد يُبتلى، والمتكلم قد يُبتلى، والعامل قد يُبتلى، وحتى من يلزم مكانه ولا يتحرك قد يُبتلى كذلك.
فليس الفرق في أن تُبتلى، فكل الناس مبتلون، وإنما الفرق في الشيء الذي من أجله تتحمل البلاء وتصبر عليه.
نعم، إن الذين سلكوا طريق أصحاب رسول الله ﷺ مستهدفون. لا لأنهم منعزلون، ولا لأنهم متكبرون، ولا لأنهم يظنون أنفسهم أفضل من غيرهم.
وإنما يُستهدفون بسبب ما تحمله صدورهم، وبسبب ما استقر في قلوبهم، وبسبب حقائق تأبى ألسنتهم أن تتخلى عنها، حقائق يعلو صداها في نفوسهم على تهديدات البشر.
ولهذا يتحدث من لم يفهم هذا الطريق عن الكبر، وعن الاندماج، وعن الهوى، وعن الطموحات الشخصية.
وكأن تاريخ الأنبياء والصديقين والمصلحين كان دائما تاريخ اندماج في الجماهير.
وكأن الحق انتصر يوما لأنه وافق رأي الأكثرية.
وكأن من ينكرون الظلم ويحاربونه إنما تحركهم مصالحهم الخاصة لا خشية رب العالمين.
أنسير مع الجموع لمجرد أنها جموع ؟
وأن نجعل همنا الأول مصالحنا الخاصة ؟
وأن نصرف أبصارنا عن المظالم إذا وقعت ؟
وأن نصمت أمام أوضاع ترجف لها القلوب الحية ؟
كلا، وألف كلا.
فالمؤمن لا يزن كلماته بما قد تكسبه عند الناس، وإنما يزنها بما ستكون عليه حين يقف بين يدي الله، ملك الملوك.
والحمد لله، فإن للحق نورا خاصا؛ من طلبه بصدق عرفه. أما من ظن أنه قد أحاط به علما، فقد تعميه مسلّماته عن الحق وهو يظن أنه عليه.
ولو كانت النجاة حقا في الذوبان في السواد، وفي الصمت، وفي تجنب كل مخاطرة، لكان الأنبياء أول من عمل بهذا الرأي.
أما نحن فنعلم أن الأمان الحقيقي لا يكون في السكوت حين يجب أن يُقال الحق، وإنما يكون في لقاء الله، ملك الملوك، بعد أن يكون المرء قد بذل وسعه في أداء واجبه.
فلنصبر إذن.
فإن هذه الأرض لله، وعليها سيفصل سبحانه بين الحق والباطل، وبين الصادق ومن يدعي الصدق.
وقد تنطلي المظاهر على الناس، أما الله فيعلم ما تخفيه الصدور، ولا يمكن لأحد أن يخدعه.
ولذلك سنستمر في قول ما نعتقد أنه حق، مع ما فينا من نقص وتقصير،
راجين رضا الله، ومستيقنين أن المنقلب والمآب إليه وحده سبحانه.




