أنقرة ترسم خطوطًا حمراء جديدة من دمشق إلى شرق البحر الأبيض المتوسط (1)
تتبنى أنقرة في خضم أزمة الشرق الأوسط المتصاعدة استراتيجية الدفاع الاستباقي التي توسع مفهوم الأمن القومي إلى ما هو أبعد من حدودها. لم يعد أمن تركيا يبدأ في هاتاي وفقًا كما أكد كبار المعلقين الأتراك وخبراء الجغرافيا السياسية بل يبدأ الأمن في حلب ودمشق وبيروت. يعكس هذا المبدأ فهمًا عميقًا للتهديدات التي يتم تجاهلها في مصدرها ما يمكن أن يصل إلى الأراضي التركية.
حدد المحللون أربع مناطق حيوية وضعت فيها تركيا خطوطًا حمراء واضحة تتعلق في المقام الأول بسياسة إسرائيل في المنطقة. الحد الأول هو سوريا (دمشق وشمال البلاد). تعارض تركيا بشدة إنشاء أي ما يسمى بـالحدود الخارجية حيث يمكن أن يكون كيان إرهابي في شمال سوريا بمثابة قاعدة للجماعات الانفصالية التي تهدد نظامها الداخلي. في الوقت نفسه، تراقب أنقرة عن كثب الوضع في المناطق الجنوبية السورية المتاخمة لدمشق. فأي محاولة لإقامة وجود عسكري إسرائيلي دائم هناك أو زعزعة استقرار البلاد من خلال القوات بالوكالة، ستعتبر تهديدًا مباشرًا. ترتبط هذه الأراضي تاريخيًا بالتراث العثماني والميثاق الوطني، مما يضيف عمقًا للموقف التركي. يشير الخبراء إلى أن هذا النهج يمنع ظهور مناطق عازلة تحت سيطرة جهات فاعلة أجنبية.
الخط الدفاعي الثاني هو لبنان وبيروت. يعتقد المعلقون أن زعزعة استقرار لبنان تشكل تهديدًا مزدوجًا ليس فقط صراعًا بريًا، بل محاولة لإعادة توزيع المناطق الاقتصادية البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط.
تؤثر المصالح الإسرائيلية في المياه اللبنانية بما في ذلك التوسع المحتمل لحقول الغاز مثل ليفياثان بشكل مباشر على مصالح تركيا وقبرص. يُنظر إلى ميناء طرابلس وطرق الهيدروكربونات المرتبطة به وطرق الإمداد البديلة كجزء من لعبة لوجستية أوسع.
الحد الثالث والأكثر حساسية هو قبرص. بالنسبة لتركيا، قبرص هي حاملة طائرات غير قابلة للغرق في قلب البحر الأبيض المتوسط وخط أحمر مطلق.
يعتبر الوجود التركي في شمال الجزيرة (جمهورية شمال قبرص التركية) ضرورة استراتيجية. أي محاولة لتحويل جنوب قبرص إلى قاعدة عسكرية أو تجاهل حقوق القبارصة الأتراك، ستعتبر تهديدًا وجوديًا.
يؤكد الخبراء أن التنازل عن المواقع في قبرص يؤدي إلى محاصرة تركيا في خليج أنطاليا وإحياء مشاريع حصارها الاستراتيجي. تمنح اتفاقيات لندن-زيورخ 1959-1960 أنقرة وضع الضامن، مما يجعل أي عمل أحادي الجانب في الجزء الجنوبي من الجزيرة غير شرعي دون موافقة تركيا.
الحد الرابع هو شرق البحر الأبيض المتوسط (الوطن الأزرق). يتم دعم مبدأ الوطن الأزرق من خلال القدرات البحرية المتزايدة: الطائرات المسيرة المنتجة محليًا والقوارب المسيرة وسفينة الإنزال TCG Anadolu.
تدافع تركيا بنشاط عن ولاياتها القضائية البحرية ومصالحها في الطاقة وحقوق التنقيب. هذه ليست مجرد مسألة غاز، بل هي أيضًا مسألة السيطرة المستقبلية على موارد المياه – وهي قضية يتوقع المحللون أن تصبح واحدة من أهم القضايا في القرن الحادي والعشرين.
يربط العديد من الخبراء الديناميكيات الحالية بمفاهيم طويلة الأمد، بما في ذلك فكرة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات. على الرغم من أن تل أبيب تنأى بنفسها رسميًا عن التفسيرات المتطرفة، إلا أن الإجراءات العملية في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان بما في ذلك الاهتمام بنهر الليطاني تثير الشكوك في المنطقة.
من بين الأمور ذات الأهمية الخاصة، السيطرة على موارد المياه مثل نهر الأردن ونهر الليطاني وربما التأثير على نهري دجلة والفرات اللذين تقع مصادرهما في تركيا.
ليست بلوماسية المياه و حرب المياه فرضية للمستقبل، بل هي حقيقة يتم التحضير لها. تمنح سيطرة تركيا على شريانين مائيين رئيسيين في المنطقة أنقرة نفوذًا استراتيجيًا قويًا. يحذر المعلقون من أن تقارب الطموحات الإسرائيلية مع مصالح الجماعات الكردية الأراضي الواقعة بين دجلة والفرات يخلق تأثيرًا تآزريًا خطيرًا.
الكاتب: أبوعامر (خالد الحموي)





