من أسامة بن محمد بن لادن إلى إخوانه وأخواته في الأمَّة الإسلامية عامَّة (2)

من أسامة بن محمد بن لادن إلى إخوانه وأخواته في الأمَّة الإسلامية عامَّة (2)

 

وخلاصة القول:

 

إنَّ هذه الحكومات أيَّدت أمريكا وساندتها في الهجوم على دولة عربية، بينهم وبينها عهودٌ للدفاع المشترك، زادت من توثيقها له قبل الهجوم الأمريكي بأيامٍ معدودة في “جامعة الدول العربية” ، ثم نقضتها عن بكرة أبيها، فهذا يُظهِرُ موقفها في القضايا الأساسيةِ للأمَّة.

رابعًا: إنَّ هذه الأنظمة تذبذبت كثيرًا بخصوص اتِّخاذ موقف بشأن استخدام القوة والهجوم على العراق، فمرةً ترفض المشاركة مطلقًا، ومرة أخرى تقيِّدُ ذلك بموافقة “الأمم المتحدة” ، ثم تعود لرأيها الأول، وفي الحقيقة أنَّ عدم المشاركة يأتي تمشِّيًا مع الرغبات الداخلية لهذه الدول، إلا أنَّهم أخيرًا استسلموا ورضخوا للضغوط الأمريكية، وفتحوا قواعدهم البرية والجوية والبحرية مساهمةً في الحملة، برغم الآثار الكبيرة والخطيرة التي ستترتب على ذلك، وأهمُّها؛ أنَّ ذلك ارتكابٌ لناقضٍ من نواقض الإسلام، وخيانةٌ عظمى للأمَّة، وما يتبع ذلك من غضبٍ شعبي، وتهيئةِ الأجواءِ للخروج على هذه الأنظمةِ العاجزةِ الخائنةِ المرتدة.

وأهمُّ وأخطرُ من ذلك في نظرهم؛ ألاَّ يُفتح باب إسقاط الأنظمة الدكتاتورية بالقوة المسلحة من الخارج، وخاصةً بعدما رأوا أَسْرَ رفيقِ دربهم السابق في الخيانةِ والعمالةِ لأمريكا، عندما أمرته بإشعال حرب الخليج الأولى ضدَّ إيران لمَّا خرجت عن طاعتها، فأكلت الحربُ الأخضرَ واليابس وأدخلت المنطقة في تيهٍ لم تخرج منه إلى اليوم، وما الحروبُ اللاحقةُ إلا من تداعياتها.

فهم يعلمون أنَّ الدور قادمٌ عليهم، وهم لا يملكون الإرادة لاتخاذ القرار الصعب لصدِّ العدوان، فضلاً عن أن يملكوا القوة المادية لذلك -من وجهة نظرهم- وقد حيلَ بينهم وبين إنشاءِ قوةٍ عسكريةٍ كبيرة لِمَا أُخِذَ عليهم من عهودٍ ومواثيقَ سِرِّيَّةٍ منذُ زمنٍ بعيد.

خامسًا: وممَّا يوضِّح موقفهم من قضايا الأمَّة؛ ما قاموا به من مناصرةٍ لأمريكا بفتحِ قواعدهم مساهمةً منهم معها في حملتها الصليبية على أفغانستان، ولا يخفى أنَّ هذه مناصرةٌ ومظاهرةٌ صريحةٌ للكفَّارِ على دولةٍ إسلامية، وذلك كفرٌ أكبرٌ مخرجٌ من الملَّة.

سادسًا: ولعل من المواقف الظاهرة الجليَّة التي تنبئ بموقف حُكَّام الخليج؛ إذا تعرَّضَ أحدهم لضغوطٍ أمريكيةٍ حتى يسلِّم المناطق النفطية لها؛ هو دعمهم الجماعي لما سُمِّيَ بـ “مبادرة زايد” ، حيث طالبوا (صدَّام) بأن يُسَلِّمَ العراقَ وشعبَهُ ونِفْطَهُ على طبقٍ كغنيمةٍ باردة، وأن يتنحَّى عن السلطة ويوفِّروا له لجوءًا سياسيًّا بحجة ألا تُسفك الدماء في العراق، وقد أكَّد “سعود الفيصل” على هذا المبدأ مِرارًا وبلا حياء، وظاهر هذا المبدأ -مع ما سبق- يُظهرُ أنَّ حُكَّامَ الخليج إذا تعرَّضوا لضغوطٍ أمريكيةٍ لاحتلال مناطق النفط فسوف يكرِّرون نفس الموقف بما فيهم حاكم الرياض.

سابعًا: ومن أظهر الدلائل التي تنبئ بموقف الحُكَّام تجاه صدِّ العدوان؛ موقفُ كبيرهم، عندما أطَّتْ جزيرةُ العرب تحت جنازير الدبابات الأمريكية، وضجَّت بحارها من حاملات الطائرات الصليبية بأحدث العتاد والأسلحة لاحتلال المنطقة، فإذا بكبيرهم الذي علَّمهم الخنوع يخرج على الملأ ليبُثَّ في الأمَّة الاستسلام والمذلَّة والخضوع، ويقول: (إنَّ هذه الحشود ليست للحرب) ، يا للعار والشنار!

إذا كنتَ لا تدري فتلك مصيبةٌ … وإن كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظمُ

وخلاصةُ القول: إنَّ الحاكم الذي يؤمن ببعض الأفعال التي سبق ذكرها، لا يستطيعُ أن يدافع عن البلاد، فكيف إذا كان يؤمن بها كلِّها ومارسها مراتٍ ومرات؟!

إنَّ الذين يؤمنون بمبدأ مناصرةِ الكافرين على المسلمين، ويُهدرونَ دماءَ إخوانهم وأعراضهم وأموالهم حتى يَسْلَمُوا، مدَّعين أنَّهم يحبُّون إخوانهم ولكنهم مكرهون -ولا يخفى أنَّ هذا الإكراه لا يُعتبر شرعًا- إنَّ هؤلاء مؤهَّلون للسير على نفس المبدأ ضدَّ بعضهم البعض في دول الخليج، بل إنَّ هذا المبدأ قابل للتوسُّع في داخل الدولة الواحدة ذاتها، فمثلا إنَّ حاكم الرياض مؤهَّل بأن يفرِّط بالمنطقة الشرقية والوسطى وغيرها للأمريكيين، والشمالية وجزءًا من الغربية لليهود، مقابل أن تسلم له “جيزان” و “صامطة” و “أبو عريش” -مثلاً- ومن قرأ وتدبَّر تاريخ الملوك قديمًا وحديثًا يعلم أنَّهم مؤهَّلون للقيام بأكثر من هذه التنازلات -إلا من رحم الله منهم-.

بل إنَّ الحاكم قد بدأ عمليًّا بالتفريط في أبناء البلاد، بمطاردتهم وسجنهم واتِّهامهم بمذهب الخوارج في تكفير المسلمين زورًا وبهتانًا، والمبالغة في قتلهم -نحسبهم شهداء والله حسيبهم- وكلُّ ذلك كانَ قبلَ “انفجارات الرياض” في ربيعٍ الأول من هذا العام التي يتحجَّج بها النظام، وإنَّما جاءت هذه الحملة في سياق تنفيذ تعليمات أمريكا لعلهم ينالون رضاها، رغم أنَّ النظام هو الذي استفزَّ الشباب بإباحة البلاد للصليبيين، مخالفًا للدين، مستهزئًا بمشاعر المسلمين، متحدِّيًا لرجولة الرجال من أبناء الحرمين، وبالتالي هو الذي أخلَّ بالأمن على الحقيقة، ولضيق المقام هنا أفردتُ هذه المسألة في رسالةٍ خاصَّة ببلاد الحرمين أرجو أن تصلكم قريبًا بإذن الله.

وإنَّ ممَّا يلخِّص حال الأمَّة وتكالب الأعداء عليها مع عمالة الحُكَّام للكافرين، وخيانتهم للدين، وإظهار بطشهم بالشعوب، وتخاذل الجماعات الإسلامية عن الجهاد؛ هذه الأبيات والتي في معظمها للدكتور يوسف أبو هلالة، يقول:

والأمَّةُ الكبرى غدت ألعوبةً … يلهو بها القسيسُ والحاخامُ

هي مثلُ قومٍ في الأمور مكانةً … سيَّانَ إن قعدوا وإن هم قاموا

عظماؤها والحادثاتُ تُبيدها … فوق العروشِ هياكلٌ وعِظامُ

والقدس؛ ويحَ القدسِ دِيْسَ عفافُها … والمسلمونَ عَنِ الجهادِ صيامُ

بغدادُ يا دارَ الخلافةِ ويحكِ … ما بالُ طهركِ دنَّسَته طُغَامُ

ما بالُ من بالأمسِ خانوا دينهم … عمَّن أغارَ على حِمَاكِ تَعَامُوا

أعلى الشعوبِ قساورٌ صيَّالةٌ … وعلى اليهودِ أرانبٌ ونَعَامُ

لم يبقَ لي دارٌ أفيءُ لظِلِّها … وطني استُبيحَ وشَبَّ فيهِ ضِرَامُ

يا أمَّتي؛ أنا طائرٌ قد لاحَ لي … أَيْكٌ، فهلْ أَشدو ولستُ أُلامُ؟!

أأُعابُ إن صارحتُكم بحقيقةٍ … هي أنَّ شرَّ عُداتِنا الحُّكَّامُ؟!

مِنْ كُلِّ زنديقٍ ويُدْعَى أنَّهُ … للمسلمينَ خُويدِمٌ وإِمَامُ

يتظاهرونَ بأنَّهم عونٌ لنا … في حينِ هُمْ دَاءٌ لنا وحِمَامُ

جيشُ النصارى مَدُّهُ اجتاحَ الدُّنا … أينَ التَّقِيُّ الشهمُ والمقدامُ

وبناءً على ما تقدَّم؛ فقد ظَهَرَ مدى الخطر الحقيقي الذي تتعرَّض له المنطقةُ عمومًا، وجزيرَةُ العربِ خصوصًا، وأصبح واضحًا بأنَّ الحُكَّام غير مؤهَّلين لإقامة الدين والدفاع عن المسلمين، بل قدَّموا الأدلة على أنَّهم ينفِّذون مخطَّطات أعداء الأمَّة والملَّة، ومؤهَّلون للتفريط بالبلاد والعباد.

والآن بعد أن عرفنا حال الحُكَّام؛ ينبغي أن ننظر في المنهج الذي كانوا يسيرون عليه:

إنَّ المتأمِّل في منهج هؤلاء الحُكَّام يتَّضح له بغير عناء أنَّهم يسيرون وفق أهوائهم وشهواتهم، ووفق ما تقتضيه مصالحهم الشخصية وولاءاتهم الصليبية، فالتزام الإسلام ليس من الثوابت في منهجهم ودينهم، وإنَّما هم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، ممَّا يتوافق مع أهوائهم ويحافظ على ملكهم، وذلك كفرٌ أكبر كما بيَّنه تعالى بقوله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْععَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} ، فالثابتُ الالأساسُ عندهم؛ هو الثباتُ في الملك فقط لا غير.

فالخلل ليس في قضية فرعيةٍ كفساد شخصي محصورٍ داخل قصر الحكم، إنَّما الخللُ في المنهجِ من أساسه، وذلك عندما انتشر ذلك الاعتقادُ الخبيثُ والمبدأُ الهدَّام في معظم نواحي الحياة؛ بأنَّ السيادة والطاعةَ المطلقتين للحاكم، وليستا لدين الله تعالى، أي أنَّ العبوديةَ للحاكم وليست لله تعالى، وتلك هي الحقيقةُ المهمَّة التي يُخادِعُ فيها الحُكَّام، وإن تستَّروا في بعض البلدان تحت عباءة الإسلام، وخاصةً بعد أن سَخَّروا جيشًا من العلماءِ والخطباءِ والكُتَّابِ وجميعِ أجهزةِ الإعلامِ للمبالغةِ في تضخيمِ مععنى “الطاعةِ لوليِّ الأمر” منذ قرنٍ من الزمان، بعيدًا عن القيود التي قيَّدها بها دين الله تعالى، حتى أصبحَ الحاكمُ وثنًا يُعبدُ من دون الله -كما هو الحالُ في بلاد الحرمين-، ومن أَبَى من العلماءِ مداهنتهم؛ فله السجن حتى يُدَاهِنَ مُكرَهًا، وكما أنَّهم تستَّروا في بلدانٍ أخرى تحت عباءة البرلمان والديمقراطية.

لذا فحال جميع الدول العربية في انحطاطٍ سحيق في جميع مناحي الحياة، في أمور الدين والدنيا، ويكفي أن تَعْلَمَ أنَّ اقتصاد جميع الدول العربية أقلُّ شأنًا من اقتصاد دولة واحدة كانت يومًا من الأيام جزءًا من عالَمِنا -يومَ أن كنَّا متمسِّكون بالإسلام حقًّا- ألا وهي الأندلس المفقود، فأسبانيا دولة كافرة، ومع ذلك اقتصادهم أقوى من اقتصادنا، لأنَّ هناك حسابًا وعقابًا للحاكم، وأمَّا في بلادنا فلا حسابَ ولا عقاب، وإنَّما السمعُ والطاعةُ والدعاءُ له بطولِ العمر.

وما وصلنا إلى هذه الحالة المزرية إلا لأنَّه قد غاب عن الكثير منَّا الفهمُ الصحيحُ والشاملُ لدينِ الإسلام، واقتصر فهمهم على أنَّه أداءٌ لبعض الشعائر التعبُّديةِ -كالصلاةِ والصيام- وهي على أهمِّيتها العظمى إلا أنَّ دينَ الإسلام

يشملُ جميعَ شؤونِ الحياة؛ الدينية والدنيويةِ أيضًا -كالاقتصادية والعسكرية والسياسية- بما فيها الميزان الذي نزن به أفعال الرجال من الحُكَّام والعلماء وغيرهم، وكيفية التعامل مع الحاكم وفق الحدود التي وضعها الله تعالى له فلا يتجاوزها، كالتشريع من دون الله، وموالاة الكفار ومناصرتهم على المسلمين، أو العبث والاختلاس الهائل من مال الأمَّة العام.

وكثيرٌ من الناس يظنون أنَّ هذا من صلاحيات ولي الأمر، ولا يعلمون أنَّ هذه الأفعال مِنَ الحاكم؛ هي من الكبائرِ العظامِ في شريعتنا، ولا تجبُ لهُ فيها الطاعة، بل إنَّ تشريعه من دون الله وموالاته للكفار كفرٌ أكبر مخرجٌ من الملَّة، يوجبُ الخروجَ عليه بَعدَ إعدادِ ما يلزم.

ولو أنَّهم قرأوا القرآن والسنة -وهذا ما ينبغي علينا- وتدبَّروا فيهما لاتَّضح لهم ذلك جليًّا في نصوصٍ كثيرة، ومن ذلك حديثُ عديِّ بن حاتمٍ رضي الله عنه، وكان قد تنصَّرَ في الجاهلية، وكان يظنُّ كما يظنُّ كثيرٌ من الناس أنَّ اتِّباعَ السادةِ والكبراء من الأمراء والعلماء في تحليل ما حرَّم الله أو تحريم ما أحلَّ الله ليس عبادةً لهم وليس كفرًا بالله تعالى، لأنَّه لم يصلِّ لهم ولم يصم، ولكنه عندما دخل على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو يقرأ هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} ، قال: فقلت؛ إنَّهم لم يعبدوهم! فقال: “بلى، إنَّهم حرَّموا عليهم الحلال، وأحلُّوا لهم الحرام فاتَّبعوهم فتلك عبادتهم” .

فانتبِهوا إلى هذه الآية، فهذه الآية الكريمة وهذا الحديث الشريف يبيِّنان بوضوح وجلاء؛ أنَّ طاعة الحاكم أو العالِم أو غيرهما واتِّباعهم في تحليل ما حرَّم الله وتحريم ما أحلَّ الله؛ عبادةٌ لهم من دون الله، وهذا شركٌ أكبر مخرجٌ من الملَّة، عافانا الله وإيَّاكم من ذلك.

وذلك ما عقَّبَ به سبحانه وتعالى في آخر الآية الكريمة ونزَّهَ نفسه الشريفة عنه، حيث قال: {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ، وذلك بعدما قال تعالى في نفس الآية: {ومَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} ، وفي ذلك بيانٌ على أنَّ التشريع في التحليل والتحريم عبادة، وهو من أخصِّ خصائصِ الألوهية، ومن أهمِّ مقتضياتِ شهادةِ “أن لا إله إلا الله” ، الركن الأول من أركان الإسلام، وهي رأس الإسلام، وفي هذا تنبيه عظيم جدًّا للذين يظنُّون أنَّ الإسلام هو مجرد التلفُّظ بشهادة “أن لا إله إلا الله” ، ولا يعلمون أنَّ لها مقتضيات إن لم يلتزموا بها فهم لم يلتزموا بشهادة “أن لا إله إلا الله” .

 

وخلاصة القول:

 

إنَّ غياب الفهم الشاملِ لدينِ اللهِ كمنهجٍ لجميع شؤون الحياة، بما في ذلك منهج الإسلامِ في محاسبة الحُكَّام، لأنَّه باستقامتهم على المنهج -على دين الله تعالى- تستقيم أمور البلاد والعباد، فغياب هذا الفهم من أكبر مواطن الخلل في

حياة الأمَّة اليوم، فيجب أن نَعِي هذه المسألة وعيًا تامًّا ونفقهها ونحن نبدأ مسيرة الإصلاح اليوم لنسير على الصراط المستقيم بإذن الله تعالى، ولا نذهب في التيه لقرنٍ آخر من الزمان، ومن الكتب المفيدة في ذلك والتي شرحت الآية الكريمة السابقة؛ كتابُ “الإيمان” لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وكتابُ “فتح المجيد” للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمهم الله تعععالى، وكتاب “مفاهيم ينبغي أن تصحح” للشيخ محمد قطب.

وهكذا؛ ظهر أنَّ الحكَّام عاجزين وخائنين، وأنَّهم لم يسيروا على منهج الإسلام القويم، بل ساروا وفق أهوائهم وشهواتهم، وهذا هو سبب الانتكاسات في مسيرة الأمَّة خلال العقود الماضية، وبالتالي يتَّضحُ لنا جليًّا أنَّ الحلَّ يكمنُ في التمسُّكِ بدين الله تعالى الذي أعزَّنا الله به خلال القرون الماضية، وتنصيبِ قيادةٍ قويةٍ أمينة تقيم القرآن فينا وترفعُ رايةَ الجهاد حقًّا.

فيجبُ على الصادقينَ ممن يعنيهم الأمرُ -كالعلماء والزعماء المطاعين في أقوامهم والأعيانِ والوجهاءِ والتجارِ- أن يتنادوا ليجتمعوا في مكانٍ آمن بعيدًا عن ظلِّ هذه الأنظمة البطَّاشة، ويشكِّلوا مجلسًا لأهل الحلِّ والعقد ليسدُّوا الفراغ الذي حصل بسقوط هذه الأنظمة شرعًا وعجزها عقلاً، حيث إنَّ الحقَّ في تعيين الإمام إنَّما هو للأمَّة، والحقُّ لها في حملهِ على الجادَّة إذا انحرف عنها، والحقُّ لها في عزله إذا ارتكب ما يوجب ذلك -كالرِّدَّة والخيانة مثلاً- وهذا المجلس المؤقت يتشكَّل من الحدِّ الأدنى الممكن من الطاقات والكوادر دون أن يفتئتوا على بقية الأمَّة -إلا فيما تبيحه الشريعة في حالة الضرورة- إلى أن تُستكملَ بقيةُ الأعداد عندما تتحسَّن الأوضاع بإذن الله، ويكون منهجهم كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ويبدؤون بتوجيه المسلمين إلى الأولويات المهمَّة في هذه المرحلة الحرجة، ويأخذون بأيديهم إلى برِّ الأمان، على أن يكونَ من أولى أولوياتهم توحيد الكلمة تحت كلمة التوحيد، والدفاع عن بيضة الإسلام وأهله وحياضه، وتحريض المسلمين على الجهاد والإعداد، وتيسيرِ وصول السلاحِ إلى الناس، وخاصَّة الأسلحة الخفيفة ومضادات الدروع كقواذف “الآر بي جي” وألغام الدبابات، وإعلان النفير العام في الأمَّة استعدادًا لصدِّ غدرة الروم التي بدأت في العراق ولا يُعلم أين ستنتهي، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

 

فيا إخواني في الله:

 

ينبغي أن يكون عندنا يقينٌ جازم؛ بأنَّ نجاتنا وسعادتنا في الدنيا والآخرة هي بإقامة الإسلام والجهاد، فبهما عزَّتنا وسعادتنا كما في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود في سننه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: “إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذلاًّ لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم” .

وقد قال الخليفة عمر لأبي عبيدة رضي الله عنهما: (نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزَّة بغيره أذلَّنا الله) .

فينبغي على دعاة الإصلاح أن يعلموا أنَّ الطريق لإصلاح الأمَّة وتوحيدها تحت كلمة التوحيد؛ ليس بالمحاضرات النظرية وتأليف الكتب فقط، ولكن لا بدَّ أيضًا من مشروع عملي تنخرط فيه الأمَّة كلها كلٌّ بحسبه، ابتداءً بالدعاء والابتهال إلى الله، وانتهاءً بالقتال في سبيل الله.

فالقتال في سبيل الله؛ جزءٌ لا يتجزَّأ من ديننا، بل هو ذروة سنام الدين، فكيف يبقى الدين بغير ذروته؟! فهو ضرورةٌ مُلِحَّةٌ لحياة أمَّتنا وعزِّها وبقائها، وقد صدق عدوُّنا وهو كذوب، إذ قال معلِّمًا لأبنائه: (أنت تقاتل؛ إذن فأنت موجود) ، هذه هي الحقيقة التي يعلِّمونها أبناءهم ويرسلون إلينا بعكسها، كما أنَّ القتال مطلقًا ضرورةٌ لبقاء الدول الكبرى، وانظروا التاريخ إن شئتم -بما في ذلك تاريخ أمريكا- فقد أشعَلَتْ عشراتِ الحروب خلال ستة عقود فقط، لأنَّ ذلك من أعظم ضروراتها الملحَّة، فيومَ أن تتَّخذ الولايات المتحدة الأمريكية قرارًا صادقًا بإيقاف الحروب في العالم؛ فهي تعلم قبل غيرها أنَّ ذلك اليوم هو يوم بداية تفكُّك ولاياتها وانهيارها -وذلك قادمٌ بإذن الله- فاحذروا كلَّ دعوةٍ لإلقاء السلاح تحت اسم الدعوة للسلام، لأنَّها في الحقيقة دعوةٌ لتخذيلنا واستسلامنا، ولا يُرَوِّجُ لمثلِ هذه الدعوات إلا جاهلٌ أو منافق.

 

وقبل الختام:

أُحَرِّضُ شباب الإسلام على الجهاد ولا سيَّما في فلسطينَ والعراق وأُوصي نفسي وإياهم؛ بالصبر والتقوى، وأن يُثخنوا في العدو بقوة، مع الحرصِ على دماء المسلمين أثناء ذلك، وأن يحذروا ولا يتوسَّعوا في مسألة التترس، بل يُقَدِّرُهَا بقَدرِها علماؤهم الصادقون -في كلِّ عمليةٍ على حدة- فإنَّنا إنَّما نرجو نصر الله بالصبر والتقوى، اللهم اجعلنا من الصابرين المتقين.

 

وفي الختام:

أنقل إلى شباب الإسلام في كلِّ مكان كلماتٍ قصيرةً سمعناها ممن قبلنا من أجدادكم الذين عَرَكَتْهم أحداث السنين في أرض فلسطين، ومَرَّت على رؤوسهم عشرات المبادرات والمؤامرات والمصائب التي تدعو للسلام فأذكِّركم بها، تلك هي:

سيحدِّثونك يا بنيَّ عن السلام

إيَّاك أن تصغي إلى هذا الكلام

صدَّقتُهم يومًا فآوتني الخيام

(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

 

اللهم إنِّي أسألك أن تثبِّت أقدام المجاهدين في كلِّ مكان، ولا سيَّما في فلسطين والعراق وكشمير والشيشان وأفغانستان، اللهم سدِّد رميهم، واربط على قلوبهم، وألِّف بينهم، ومدَّهم بمدد من عندك، وانصرهم على عدوِّك وعدوِّهم، فإنَّه لا ناصر لهم إلا أنت يا قوي يا عزيز، اللهم أبرم لهذه الأمَّة أمر رشد؛ يعزُّ فيه أهل طاعتك، ويذلُّ فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين.

ذو القعدة 1424 هـ – يناير/كانون الثاني 2004 م

 

  • Related Posts

    أوراق التسوية للمجرمين الذين رفعت ضدهم شكاوى خاصة لا تحقق الأمن للمجتمع السوري

    أوراق التسوية للمجرمين الذين رفعت ضدهم شكاوى خاصة لا تحقق الأمن للمجتمع السوري     كما أعلن بعض الشيوخ في سياق الانتقام من الشبيحة وفلول النظام العلماني السابق، فإن العفو…

    تركيا تواجه إسرائيل: هل تتحول المشادة الكلامية إلى حرب ميدانية؟ (2)

    تركيا تواجه إسرائيل: هل تتحول المشادة الكلامية إلى حرب ميدانية؟ (2)     تكمن تناقضات أعمق بكثير وراء هذا الصخب الخطابي. فتح انهيار نظام الأسد في ديسمبر 2024 فصلاً جديداً…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    أوراق التسوية للمجرمين الذين رفعت ضدهم شكاوى خاصة لا تحقق الأمن للمجتمع السوري

    أوراق التسوية للمجرمين الذين رفعت ضدهم شكاوى خاصة لا تحقق الأمن للمجتمع السوري

    تركيا تواجه إسرائيل: هل تتحول المشادة الكلامية إلى حرب ميدانية؟ (2)

    • من abuaamer
    • يونيو 30, 2026
    • 1 views
    تركيا تواجه إسرائيل: هل تتحول المشادة الكلامية إلى حرب ميدانية؟ (2)

    تركيا تواجه إسرائيل: هل تتحول المشادة الكلامية إلى حرب ميدانية؟ (1)

    • من abuaamer
    • يونيو 30, 2026
    • 1 views
    تركيا تواجه إسرائيل: هل تتحول المشادة الكلامية إلى حرب ميدانية؟ (1)

    أبواق أحمد الشرع الإعلامية تواجه صرخات المظلومين في سوريا

    • من ezqassam
    • يونيو 30, 2026
    • 2 views
    أبواق أحمد الشرع الإعلامية تواجه صرخات المظلومين في سوريا

    من أسامة بن محمد بن لادن إلى إخوانه وأخواته في الأمَّة الإسلامية عامَّة (2)

    • من admin
    • يونيو 30, 2026
    • 2 views
    من أسامة بن محمد بن لادن إلى إخوانه وأخواته في الأمَّة الإسلامية عامَّة (2)

    من أسامة بن محمد بن لادن إلى إخوانه وأخواته في الأمَّة الإسلامية عامَّة (1)

    • من admin
    • يونيو 30, 2026
    • 2 views
    من أسامة بن محمد بن لادن إلى إخوانه وأخواته في الأمَّة الإسلامية عامَّة (1)