من أسامة بن محمد بن لادن إلى إخوانه وأخواته في الأمَّة الإسلامية عامَّة (1)

من أسامة بن محمد بن لادن إلى إخوانه وأخواته في الأمَّة الإسلامية عامَّة (1)

 

 

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .

 

أمَّا بعد؛

 

من أسامة بن محمد بن لادن إلى إخوانه وأخواته في الأمَّة الإسلامية عامَّة:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، رسالتي هذه إليكم بخصوص التحريض ومواصلة الحثِّ على الجهاد، لدفع المؤامرات العِظام التي حِيكت وتُحاكُ ضدَّ أمَّتنا، وخاصَّةً وقد ظهر بعضها ظهورًا بيِّنًا:

كاحتلال الصليبيين بمناصرة المرتدين لبغدادَ دارِ الخلافة، تحت خِدعة “أسلحة الدمار الشامل” .

وكذلك المحاولة الشرسة لتدمير المسجد الأقصى، والقضاء على الجهاد والمجاهدين في فلسطين الحبيبة تحت خدعة “خارطة الطريق” و “مبادرة جنيف للسلام” .

وكذلك الحملات الإعلامية الصليبية على الأمَّة الإسلامية، والتي تُظهر بوضوحٍ عظيم؛ عِظَمَ ما يبيِّتون من شرٍّ مستطيرٍ للأمَّة عامَّة، ولأهل بلاد الحرمين خاصَّة، وظهرت نوايا الأمريكيين كذلك في تصريحاتٍ بضرورة تغيير معتقدات ومناهج وأخلاق المسلمين، حتى يصبحوا أكثر تسامحًا -على حدِّ تعبيرهم- وبعبارةٍ واضحة؛ إنَّها حرب دينية اقتصادية، يريدون إبعاد العباد عن عبادة الله ليستعبدوهم ويحتلُّوا بلدانهم وينهبوا ثرواتهم، فمن العجب أن يفرضوا الديمقراطية وأمركة الثقافة بالقاذفات النفَّاثة، لذا فإنَّ ما يُنتظر أدهى وأمرُّ.

فما احتلال العراق إلا حلقةٌ في سلسلة الشرِّ الصهيونية الصليبية، ثم يأتي دور الاحتلال الكامل لبقية دول الخليج تمهيدًا لبسط النفوذ والهيمنة على العالم أجمع، فالخليج ودوله هو مفتاح السيطرة على العالم في نظر الدول الكبرى نظرًا لوجودِ أكبر مخزونٍ نفطيٍّ عالميٍّ، فاحتلال بغداد ما هو إلا خطوة تنفيذية لما فكَّرت وخطَّطت له أمريكا من قبل، فالمنطقة كانت مستههدَفة في الماضي، وهي اليوم مستهدَفة كذلك، وستبقى مستهدَفة في المستقبل، فماذا أعددنا لذلك؟

وهذه الحملة الصهيونية الصليبية على الأمَّة اليوم؛ تُعدُّ أخطر الحملات وأشرسها على الإطلاق، وهي تهدِّد الأمَّة كلها في دينها ودنياها. أوَلم يقل بوش: (إنَّها حرب صليبية) ؟ ألم يقل أيضًا: (إنَّ الحرب ستستمرُّ سنين طويلة وتستهدف ستين دولة) ؟ أوَليس العالم الإسلامي زهاء ستين دولة؟ أفلا تبصرون؟! ألم يقولوا إنَّهم يريدون تغيير أيديولوجية المنطقة التي تبثُّ الكراهية ضدَّ الأمريكيين؟!

إنَّهم يقصدون الإسلام وذروَتَهُ قبل كل شيء، فهم يعلمون أنَّهم لن ينعموا بثرواتنا وأرضنا ونحن مسلمون مجاهدون، فتدبَّروا!

 

فيا أيُّها المسلمون:

 

إنَّ الأمر خطير والخطب جلل، وإنِّي والله حريصٌ على دينكم ودنياكم؛ كيف لا؟ وأنتم إخواني في الدين، وأهلي في النسب، والرائد لا يكذب أهلَه، فأعيروني أسماعكم وقلوبكم لنتدارس حول هذه الخطوب المدلهمَّة، وكيف السبيل للخروج من هذه المحمحن الملمَّة.

وللحديث عن ذلك أقول كما قال نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاححَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب} ، مستعينًا بالله، متوكِّلاً عليه، مستجيبًا لأمره بأن لا أخشى في الله لومة لائم، متحرِّيًا للصدق، صادعًا بالحقِّ، مبتغيًا رضا الخالق وإن غضب الخلق، فآجالنا إلى انتهاء وأرزاقنا في السماء، فعلام نَجْبُنُ عن قول الحقِّ ونصرته؟ ولا يقعد عن نصرته وقد تعيَّن الجهاد إلا من خسرت تجارته، وسَفِهَ نفسه وحُرِمَ خيرًا عظيمًا.

وعليه؛ فإنَّ أول خطوة للخروج من هذا التيه هي بالرجوع إلى الله تعالى، نستغفره ونتوب إليه من المعاصي توبةً نصوحًا، ونهتدي بقرآنه العظيم وسنَّة نبيِّه الكريم عليه الصلاة والسلام.

كما ينبغي علينا أن نبحث عن الأسباب الرئيسة التي أدَّت إلى انحراف المسيرة عن الصراط المستقيم من الداخل، وعن القوة الفاعلة في هذا الانحراف، فإنَّنا وبدون عناء سنجد أنَّ أبرزهم: الأمراء، وعلماء وخطباء السوء، والراكنون إلى الذين ظلموا من قيادات العمل الإسلامي، وإعلاميو الدولة ومن سار على أثرهم.

والحقيقة المُرَّة هي: أنَّ الأمراء قد تمكَّنوا من إغواء وإغراء كثيرٍ من أفراد هذه الشرائح، ثم قاموا بتكميم أفواه من أبى منهم -إلا من رحم الله-.

وحيث إنَّ من هدي القرآن والسنَّة الصدق والتمايز بين الحقِّ والباطل، لكي لا يلتبس على الناس الحقُّ فيضلوا عن الصراط المستقيم، قال الله تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .

ولإزالة اللبس يجب تسمية الأمور بأسمائها الحقيقية، والتعبير عنها بألفاظها الشرعية، ولا سيَّما عندما نتحدَّث عن هذه القوى المؤثِّرة في مسيرة الأمَّة، حتى يتسنَّى لنا أن نأخذ التصور الصحيح عنهم وعن أفعالهم، ليسهل علينا معرفة التعامل معهم، حيث إنَّ الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، لذا فإنَّ اللفظ الشرعي في وصف الحاكمِ الذي يحكم بغيرِ ما أنزل الله ويسير على غير هدى الله سبحانه وتعالى، أو يناصر الكفار تحت أي مسمَّى، كتقديم التسهيلات العسكرية أو تنفيذًا لقرارات الأمم المتحدة ضدَّ الإسلام والمسلمين؛ فهذا كافرٌ مرتد.

كما وإنَّ هذه القوى المؤيِّدة للطغاة عن علم وبغير إكراه؛ لها نصيب من هذا الظلم الذي يُرتكب كلٌّ بحسَبه، إلا أنَّني أهيبُ بأبناء العمل الإسلامي أن يعزلوا قياداتهم التي ركنت إلى الذين ظلموا، وينصِّبوا قيادات قوية أمينة تقوم بواجبها في هذه الظروف العصيبة، للدفاع عن الأمَّة الإسلامية.

وأمَّا الإعلاميون المستهزئون بشعائر الدين -كالجهاد وغيره من الشعائر- فهؤلاء زنادقة مرتدون.

هذا فيما يتعلَّق بأهمِّ القوى المؤثِّرة في انحراف مسيرتنا من الداخل.

أمَّا الحديث عن كيفية دفعِ هذه القوى المعادية من الخارج، فذلك يستلزم منَّا أن ننظر في الحروب الصليبية السابقة على بلادنا، لنأخذَ منها الدروس والعبر بما يعيننا لصدِّ هذه الهجمة، وأخذ التصور عن أهمِّ أسباب تلك الهجمات، وكيف تمَّ دفعها ومقاومتها.

فأقول: إنَّ احتلال الغرب لبلادنا قديم جديد، والتدافع بيننا وبينهم والمناطحة وكسر القرون قد بدأ منذ قرون، وسيستمر لأنَّ سنة التدافع بين الحقِّ والباطل ماضيةٌ إلى قيام الساعة، وصلاح البلاد والعباد بإقامتها، قال الله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} ، قال أهل التفسير: “أي لولا مدافعة المؤمنين بالقتال للكافرين لغلب عليها الكافرون ولفسدت الأرض بإفسادهم” ، فانتبهوا إلى سُنَّة التدافع هذه، ولا حوار مع المحتلِّين إلا بالسلاح.

وبنظرةٍ لطبيعة الصراع بيننا وبين الغرب نجد أنَّهم قد غزوا بلادنا قبل أكثر من ألفين وخمسمائة عام، فلم يكن لهم دينٌ قويم ولا خُلُقٌ سليم، وإنَّما كانت دوافعهم السلب والنهب، فبقي أجدادنا في الشام تحت احتلالهم لأكثر من عشرة

قرون، ولم نستطع أن نهزمهم إلا بعد بعثة نبيِّنا محمَّد – صلى الله عليه وسلم – والتزامنا بالإسلام حقًّا، الذي أعاد تشكيل وصياغة الشخصية العربية، فحرَّرها من الجاهلية ونوَّرَ قلبها وعقلها وفجَّرَ طاقاتها، وعند ذلك لم يقف في وجه كتائب الإيمان أحد، لا العرب ولا العجم، وتهاوى أمام صيحات “الله أكبر” ؛ الفرس والتتر، والترك والروم والبربر، وكانت ريادة العالم بأيدينا، ننقذهم من عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العباد سبحانه.

ثم لما ضَعُفَ تمسُّكنا بديننا وفسد حُكَّامنا؛ أصابنا الوهن، فأعاد الروم علينا الكرة بعد قرونٍ بحروبهم الصليبية المشهورة، إلى أن أخذوا منَّا المسجد الأقصى، ولكن بعد تسعين سنة استعدنا قوتنا بعودتنا لديننا، فاسترجعنا المسجد الأقصى -بفضل الله- على يد قائد حكيم ومنهج قويم، فالقائد: صلاح الدين -رحمه الله-، والمنهج: الإسلام، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، وهذا ما يلزمنا اليوم وهو ما يجب أن نسعى إليه.

وكذلك الحال؛ لم يتمَّ تحرير بلاد العالم الإسلامي في القرن الماضي من احتلال الصليبيين العسكري إلا برفع راية الجهاد في سبيل الله، والذي يستميت الغرب اليوم لتشويهه، وقتل من يحمل رايته تحت اسم “مكافحة الإرهاب” ، ويناصرهم في ذلك المنافقون، لأنَّهم يعلمون جميعًا أنَّ الجهاد هو القوَّة الفعَّالة لإحباط جميع مؤامراتهم.

فهذا هو السبيل فاتَّبعوه، لأنَّنا إذا ابتغينا دفعهم بغير الإسلام فسنكون كالذي يدور في حلقة مفرغة، وسيكون حالنا كحال أجدادنا الغساسنة، كان همُّ الواحد من كبرائهم أن يكون ضابطًا للأمن عند الروم، وإن أُطلق عليه لقب “ملك” ، ليقوم بحماية مصالحهم، وذلك بقتل إخوانه من عرب الجزيرة وهذا هو حال “الغساسنة الجدد” ؛ حُكَّام العرب اليوم.

 

فيا أهل الإسلام:

 

إن لم تأخذوهم بجريرتهم في القدس وأرض الرافدين، أخذوكم بخذلانكم وسلبوكم أرض الحرمين، فاليوم بغداد وغدًا الرياض، وهلمَّ جرًا -إلى أن يشاء الله- وحسبنا الله ونعم الوكيل.

فكيف السبيل لوقف هذا الطوفان الهائل؟

لعلكم تذكرونَ أنَّ الأمَّةَ خلال العقود الماضية قد حاولت محاولاتٍ كثيرة لمقاومةِ التحالف الصهيوني الصليبي لتحرير فلسطين، وركضت لفترات طويلة خلف دياناتٍ بشرية كثيرة في المنطقة، كالقومية والاشتراكية والشيوعية والديموقراطية وغيرها، تحت الجمهوريات والملكيات، فهذه القوى المادية كلها أثبتت أخيرًا -بما لا يدع مجالاً للشك- أنَّها خضعت للتحالف الصليبي الصهيوني بقيادة أمريكا، وقد شبَّ الناس عليها وشابوا وهم يسيرون خلفها، وإذا بهم يرجعون إلى ما قبل نقطة الصفر، فكفى ركضًا خلف السراب، وكفى لعبًا بعقولِ أولي الألباب.

وفي مثل هذه الحالات العصيبة يرى بعض دعاة الإصلاح ضرورة أن تتَّحدَ جميع الطاقات الشعبية والرسمية، وتتَّحد طاقات الحكومات مع أبنائها بجميع شرائحهم وأفرادهم، كلٌّ فيما يُحتاج إليه، لصدِّ هذه الهجمة الصليبية الصهيونية.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة هو؛ هل هذه الحكومات في العالم الإسلامي مهيَّأةٌ لأن تقوم بهذا الواجب للدفاع عن الملَّة والأمَّة؟ وأن تتبرَّأَ من ولائها لأمريكا؟

فتعالوا لننظر نظرة موضوعية لتاريخها في قضايا الأمَّة المصيرية، ليتبيَّن لنا ملامح ومعالم سياستها، حتى لا يسير بنا هؤلاء إلى طريق مسدود، ولِأَن يجرِّبوا أمرًا قد جُرِّبَ لعقودٍ طويلة.

أولاً: موقفها من العدوِّ الصليبي في الحرب العالمية الأولى عندما هجم على العالم الإسلامي وأراد إسقاط الدولة العثمانية، فإنَّ هؤلاء الحكام خرجوا على هذه الدولة، وفرَّقوا جماعة المسلمين وساهموا مساهمة فعالةً في القتال ضدَّها، مما أدَّى إلى سقوطها تحت الاحتلال الصليبي، وتقسيمها إلى بضعٍ وخمسين دولة، وكان الدور البارز في تلك الخيانات للملك عبد العزيز آل سعود والشريف حسين وأبنائه.

ثانيًا: قضية فلسطين؛ إنَّ مواقف هؤلاء الحكام في هذه القضية المحورية منذ تسعة عقود هو تعهُّدهم للإنجليز بالسماح لليهود بتكوين دولةٍ لهم على أرض فلسطين، ثم الخذلان لأهل فلسطين، بل والمخادعة لهم مراتٍ عديدة لكي يلقوا السلاح، كان من أبرزها محاولة تمَّت للملك عبد العزيز آل سعود، ثم لمَّا صدر قرار المنظمة الصهيونية، أو ما يُعرف بـ “الأمم المتحدة” ، لتقسيم فلسطين ولإقامة دولة يهودية فيها؛ فلم يحرِّك حكام العرب ساكنًا، بل بقوا أعضاء في هذه المنظمة، وما زالوا إلى اليوم، ولم يفعلوا شيئًا يُذكر للحيلولة دون ذلك إلا بما يندى له الجبين.

فلمَّا قامت دولة اليهود، بعد قرار التقسيم بعام؛ نشبت حرب مصطنعة، ثم ما لبث حكام الدول العربية أن وافقوا على توقيع هدنةٍ مؤقتة استجابةً لأمر أمريكا التي طلبت منهم في العام الذي يليه هدنةً دائمة، وهكذا كادوا يَئِدون فلسطين وأهلها وهم أحياء، ولكنَّ الله سلَّم.

ثم استمرت المؤامرات مرورًا بمؤتمر مدريد وما تبعه، وتواصلَ السعيُ لإجهاض الانتفاضة الأولى، ثم ما جرى في مؤتمر “شرم الشيخ” عام 1416 للهجرة -الموافق 96 للميلاد- بدعمهم لليهود والنصارى ضدَّ المستضعفين من أهلنا في فلسطين، ثم مبادرة بيروت التي تضمَّنت الاعتراف باليهود، وجزءًا كبيرًا مما احتلُّوه من أرض فلسطين، وأخيرًا مؤامرة “خارطة الطريق” .

وخلال هذه المؤامرات ينثرون بعض الأموال على أهل فلسطين من باب ذرِّ الرماد في العيون، وإلا فالتاريخ والواقع يشهد عليهم خلال العقود التسعة الماضية أنَّهم لم يُرجعوا شيئًا من فلسطين.

إلا أنَّ ممَّا يثير الدهشة والذهول ويبعث على الاشمئزاز؛ موقفُ هؤلاء الحكام من أُسَرِ المجاهدين الذين يقومون بالعمليات الاستشهادية، فقد كانوا ينتظرون خيرهم فجاؤوهم بشرِّهِم، فلم يكتفوا بشجبها وإنَّما قاموا بما هو أشدُّ وأنكى، فانظروا إلى حال تلك الأسر، وتأمَّلوا حال كل أختٍ من أخواتنا الأرامل هناك ممن قُتِلَ زوجها على يد اليهود، وقَدَّمَ ابنها نفسه رخيصةً في سبيل الدين والذودِ عن حياض المسلمين، فجاء جنودُ اليهودِ بعد أن تركهم أصحاب العروش والجيوش ليعيثوا في أرض القدس فسادًا ويُهلِكوا الحرث والنسل، فأخرجوها بالقوة من بيتها إلى الطريق، ثم نسفوه بما فيه ولم يمكِّنوها من أخذ متاعها الزهيد، فسارت هائمةً في الطرقات على وجهها، والدموع قد أخذت مجراها، وهي تجرُّ صغارها وصغارَ الشهيد -نحسبه والله حسيبه- لا تدري إلى أين تتَّجه، ولا إلى أين تسير من تكاثرِ المصائب عليها، ولكن بفضل الله كان بعض أصحاب القلوب الرحيمةِ من بلادِ الحرمين وغيرها يرسلون بعض زكواتهم لهذه الأُسَر من الأرامل والأيتام، يخفِّفون بها بعض مصابهم، فإذا بذلك الأمير الفظِّ الغليظ الجوَّاظ المتكبر؛ عبد الله بن عبد العزيز يأمر بمنع المحسنين من إرسال أموالهم، حتى تتوقَّف العمليات!

فأيُّ قلبٍ هذا الذي يأمر بهذه الأفعال؟!

أهو قلب بشر؟! أم أنَّه قَدْ قُدَّ من حجر؟!

وأي نذالةٍ هذه؟! وأي خِسَّةٍ هذهِ؟!

أن تَتَتَبَّعَ دُرَيهماتٍ تصلُ إلى الأرملةِ واليتيمِ والمسكين، وكيف يُرتجى الخير لنا أو الدفاع عن البلاد والعباد من أمثال هؤلاء؛ أصحاب القلوب القاسية.

وبعد هذا كله يزعم المنافقون عباد الدرهم والدينار؛ أنَّ هؤلاء ولاة أمر لنا، وسيقومون بالدفاع عنَّا!

وإن تعجب فعجبٌ قولُ بعض دعاة الإصلاح؛ بأنَّ طريق الصلاح والدفاع عن البلاد والعباد يمرُّ بأبواب هؤلاء الحُكَّام المرتدين!

فأقول لهؤلاء: إن كان لكم عذرٌ في القعود عن الجهاد، فهذا لا يُبيحُ لكم أن تركنوا إلى الذين ظلموا فتحملوا أوزاركم وأوزارَ من تُضِلُّون، فاتقوا الله في أنفسكم، واتقوا الله في أمَّتكم، وإنَّ الله تعالى غنيٌّ عن مداهنتكم للطغاةِ من أجلِ دينه، فقد قال سبحانه: {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} ، ولِأَنْ يَقعُدَ المرءُ في أدنى طريقِ الحقِّ خيرٌ له من أن يقفَ في أعلى طريق الباطل.

ثالثًا: إنَّ دول الخليج قد شهدت بعجزها -بلسان الحال والمقال- عن مقاومة القوات العراقية، واستنجدوا بالصليبيين -وعلى رأسهم أمريكا- كما هو معلوم، فكيف ستقف هذه الدول أمام أمريكا والقوات العراقية التي تُجَنَّدُ اليوم تحت إمرتها؟!

إنَّ القرار الذي اتَّخذه “جابر الصباح” ومن معه يوم غزو العراق للكويت، عندما أطلقوا سيقانهم للريح، هو القرار الراجح الذي سيتَّخذه جميع حكام الخليج، ما لم يتمَّ التفاهم بينهم وبين أمريكا على أن يتخلُّوا عن عروشهم الحالية، ويُعْطَوا وظائفَ دون ذلك لمخادعة العوام وحمايةِ مصالح أمريكا، وأن يتعهَّدوا بأن لا يسألوا عن النفط ودخله، كحال عملائهم في مجلس الحكم الانتقالي في العراق.

ثم إنَّ ممَّا يؤكد على نفسياتهم الانهزامية ورضوخهم للمحتل وكيفية التعامل معه؛ هو استقبالهم لأعضاء ذلك المجلس الانتقالي والتعاون معهم.

 

  • Related Posts

    أوراق التسوية للمجرمين الذين رفعت ضدهم شكاوى خاصة لا تحقق الأمن للمجتمع السوري

    أوراق التسوية للمجرمين الذين رفعت ضدهم شكاوى خاصة لا تحقق الأمن للمجتمع السوري     كما أعلن بعض الشيوخ في سياق الانتقام من الشبيحة وفلول النظام العلماني السابق، فإن العفو…

    تركيا تواجه إسرائيل: هل تتحول المشادة الكلامية إلى حرب ميدانية؟ (2)

    تركيا تواجه إسرائيل: هل تتحول المشادة الكلامية إلى حرب ميدانية؟ (2)     تكمن تناقضات أعمق بكثير وراء هذا الصخب الخطابي. فتح انهيار نظام الأسد في ديسمبر 2024 فصلاً جديداً…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    أوراق التسوية للمجرمين الذين رفعت ضدهم شكاوى خاصة لا تحقق الأمن للمجتمع السوري

    أوراق التسوية للمجرمين الذين رفعت ضدهم شكاوى خاصة لا تحقق الأمن للمجتمع السوري

    تركيا تواجه إسرائيل: هل تتحول المشادة الكلامية إلى حرب ميدانية؟ (2)

    • من abuaamer
    • يونيو 30, 2026
    • 1 views
    تركيا تواجه إسرائيل: هل تتحول المشادة الكلامية إلى حرب ميدانية؟ (2)

    تركيا تواجه إسرائيل: هل تتحول المشادة الكلامية إلى حرب ميدانية؟ (1)

    • من abuaamer
    • يونيو 30, 2026
    • 1 views
    تركيا تواجه إسرائيل: هل تتحول المشادة الكلامية إلى حرب ميدانية؟ (1)

    أبواق أحمد الشرع الإعلامية تواجه صرخات المظلومين في سوريا

    • من ezqassam
    • يونيو 30, 2026
    • 2 views
    أبواق أحمد الشرع الإعلامية تواجه صرخات المظلومين في سوريا

    من أسامة بن محمد بن لادن إلى إخوانه وأخواته في الأمَّة الإسلامية عامَّة (2)

    • من admin
    • يونيو 30, 2026
    • 1 views
    من أسامة بن محمد بن لادن إلى إخوانه وأخواته في الأمَّة الإسلامية عامَّة (2)

    من أسامة بن محمد بن لادن إلى إخوانه وأخواته في الأمَّة الإسلامية عامَّة (1)

    • من admin
    • يونيو 30, 2026
    • 2 views
    من أسامة بن محمد بن لادن إلى إخوانه وأخواته في الأمَّة الإسلامية عامَّة (1)