تركيا تواجه إسرائيل: هل تتحول المشادة الكلامية إلى حرب ميدانية؟ (2)

تركيا تواجه إسرائيل: هل تتحول المشادة الكلامية إلى حرب ميدانية؟ (2)

 

 

تكمن تناقضات أعمق بكثير وراء هذا الصخب الخطابي. فتح انهيار نظام الأسد في ديسمبر 2024 فصلاً جديداً في المواجهة التركية الإسرائيلية إذ أقامت تركيا كالداعم القديم للمعارضة، علاقات قوية مع الحكومة الانتقالية في دمشق، لتصبح لاعباً رئيسياً في سوريا ما بعد الأسد ولكن إسرائيل ردت بأفعالها بحيث احتلت جزءاً من جنوب غرب سوريا ونفذت غارات جوية واسعة النطاق ضد البنية التحتية العسكرية ودمرت مخزونات أسلحة النظام السابق حتى تتصادم هاتان القوتان في سوريا. في يناير 2026، أعلنت لجنة ناغل الإسرائيلية وهي هيئة تخطيط أمني استراتيجي بوضوح في تقريرها: “أصبحت تركيا القوة الأكثر تأثيراً في دمشق. لقد حل المحور السني التركي محل المحور الشيعي الإيراني.

 

أوصت اللجنة بالاستعداد “للتهديدات المحتملة المتزايدة بسرعة من أنقرة”. في فبراير 2026، أشار رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، في اجتماع مع المنظمات اليهودية الأمريكية، مباشرة إلى تركيا على أنها “إيران الجديدة”.

 

النقطة الخلافية الرئيسية الثانية هي شرق البحر الأبيض المتوسط حيث تعمل إسرائيل بنشاط على بناء تحالف استراتيجي مع اليونان وقبرص والهند والدول العربية المعتدلة وهو ما يسميه المحللون بالتحالف السداسي. يهدف هذا المشروع المعماري مباشرة إلى تجاوز النفوذ التركي في المنطقة. تتهم تل أبيب حالياً أنقرة بمحاولة إنشاء دولة عثمانية جديدة في سوريا وهو ما يذكر بـ 400 عام من الحكم العثماني لدمشق.

 

الحرب التجارية: عقوبات ذات ثغرات قانونية

 

يهمنا الجانب الاقتصادي للأزمة أيضاً. أثبت الحظر التجاري التركي ضد إسرائيل والذي فرض في مايو 2024، أنه مليء بالثغرات. تجاوزت الصادرات التركية إلى إسرائيل 176 مليون دولار عبر دول ثالثة في أول شهرين فقط من عام 2026 وفقاً لمكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي.

 

استخدم المنتقدون في البرلمان التركي هذه البيانات لفضح نفاق الحكومة. في غضون ذلك، لا يزال النفط الأذربيجاني يتدفق إلى إسرائيل عبر خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان عبر الأراضي التركية وفي عام 2025، بلغ إجمالي حجم الصادرات التركية إلى إسرائيل عبر الوسطاء 924 مليون دولار وهكذا، تتحول الحرب التجارية إلى حرب للجمهور المحلي.

 

فمن المهم أن ندرك أن الخطاب العدواني لأردوغان لا يستند إلى اللاعقلانية، بل إلى حسابات باردة إذ يسعى الرئيس التركي إلى تحقيق عدة أهداف في وقت واحد: الأول إنه يعيد تموضع تركيا كزعيم للعالم الإسلامي ومدافع عن فلسطين وهو الدور الذي تتنافس عليه أنقرة مع الرياض والقاهرة وطهران. تظهر زيارة أردوغان إلى المملكة العربية السعودية في بداية عام 2026 رغبته في إنشاء تحالف ذي واجهة سنية ولكنه علماني في الواقع تحت القيادة التركية، خاصة في مواجهة تراجع النفوذ الإيراني.

 

والثاني: توجه هذه الزيارة التوترات الاجتماعية الداخلية. تظهر استطلاعات الرأي أن غالبية المجتمع التركي يعارض استمرار الحرب الإسرائيلية الإيرانية. 97% من المواطنين الأتراك لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل.

 

يزعم معارضو أردوغان أن الخطاب المعادي لإسرائيل يسمح له بتوجيه السخط العام – الذي ينبع بشكل أساسي من ارتفاع الأسعار والمشاكل الاقتصادية نحو عدو خارجي.

 

والثالث: تلعب أنقرة عدة أوراق في وقت واحد: وقعت تركيا إعلان الرياض وأدانت إيران أي أنها تتماشى عملياً مع الموقف المناهض لإيران ولكنها في الوقت نفسه توجه كل الخطاب العام ضد إسرائيل. هذا الموقف هو توازن بين معسكرين وليس مسار مواجهة متهور. يزعم المحلل في مركز الأمن والشؤون الدولية الإسرائيلي بن مناحيم أن أردوغان يسعى لملء الفراغ الناجم عن ضعف النظام الإيراني من خلال العمل كزعيم للكتلة السنية.

 

يقول مدير الاتصالات في حكومة أردوغان برهان الدين دوران  إن نتنياهو الذي دبر الإبادة الجماعية في غزة وهاجم سبع دول في المنطقة يجرؤ على مهاجمة رئيسنا بدافع اليأس. إنه مجرم صدر بحقه أمر اعتقال ولم يبق له أصدقاء.

الرابع:. رد إسرائيل من “نمر من ورق” إلى “إيران جديدة”

 

يتصور القادة الإسرائيليون أن تركيا يشكل بشكل متزايد تهديداً استراتيجياً من الجيل الجديد. وصف الزعيم العسكري الصهيوني إسرائيل كاتس أردوغان بأنه رجل من الإخوان المسلمين و”نمر من ورق”، مشيراً إلى عدم استجابة الزعيم التركي للهجمات الصاروخية الإيرانية على الأراضي التركية خلال الصراع الحالي. اكتفى مجرم الحرب ومن يسمى بوزير الأمن القومي إيتامار بن غفير بالتهجم على أردوغان على وسائل التواصل الاجتماعي.

 

اتهم الزعيم الصهيوني الآخر الذي يسمى بوزير التراث أميخاي إلياهو، تركيا بالاستيلاء على شمال قبرص وبناء اقتصادها على أساس الإبادة الجماعية للأرمن.

دعا عضو الكنيست أرييل كيلنر علناً إلى إعلان تركيا كدولة معادية. يثيرعدد من الشخصيات الإسرائيلية هذا الموضوع علناً كتهديد استراتيجي للجيل الجديد: “ما كانت عليه إيران بالنسبة لإسرائيل في العقد الماضي، فإن تركيا معرضة لأن تصبح كذلك في العقد القادم”.

في الوقت نفسه، تعمل إسرائيل بشكل منهجي على بناء بنية مضادة: تطوير تعاون عسكري وسياسي مع اليونان وقبرص كالمنافسين التاريخيين لأنقرة واستكشاف إمكانية التقارب مع السلطات السورية الجديدة، بينما تحتل في الوقت نفسه مناطق في الجنوب السوري. فيكون كل هذا الأمر جزءاً من استراتيجية حصار تم رسمها للحد من التوسع التركي.

المحكمة كأداة سياسية: المدعي العام في إسطنبول وجه اتهامات ضد نتنياهو و34 مسؤولاً إسرائيلياً آخرين والتي إذا ما جمعت،ستؤدي إلى عقوبة سجن تصل إلى 4596 عاماً.

رفضت إسرائيل ذلك باعتباره عرضاً سياسياً بدون أي عواقب قانونية. يتفق المحللون الغربيون من الناحية القانونية على أن لائحة الاتهام لا قيمة لها ومن الناحية السياسية، إنها ترسل رسالة إلى المنطقة بأكملها.

الكاتب: أبوعامر (خالد الحَمَوي)

  • Related Posts

    أوراق التسوية للمجرمين الذين رفعت ضدهم شكاوى خاصة لا تحقق الأمن للمجتمع السوري

    أوراق التسوية للمجرمين الذين رفعت ضدهم شكاوى خاصة لا تحقق الأمن للمجتمع السوري     كما أعلن بعض الشيوخ في سياق الانتقام من الشبيحة وفلول النظام العلماني السابق، فإن العفو…

    تركيا تواجه إسرائيل: هل تتحول المشادة الكلامية إلى حرب ميدانية؟ (1)

    تركيا تواجه إسرائيل: هل تتحول المشادة الكلامية إلى حرب ميدانية؟ (1)     عندما تنشر صحيفة إسرائيلية عنوان “أردوغان – إيران الجديدة” على صفحتها الأولى وتصف وزارة الخارجية التركية نتنياهو…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    أوراق التسوية للمجرمين الذين رفعت ضدهم شكاوى خاصة لا تحقق الأمن للمجتمع السوري

    أوراق التسوية للمجرمين الذين رفعت ضدهم شكاوى خاصة لا تحقق الأمن للمجتمع السوري

    تركيا تواجه إسرائيل: هل تتحول المشادة الكلامية إلى حرب ميدانية؟ (2)

    • من abuaamer
    • يونيو 30, 2026
    • 1 views
    تركيا تواجه إسرائيل: هل تتحول المشادة الكلامية إلى حرب ميدانية؟ (2)

    تركيا تواجه إسرائيل: هل تتحول المشادة الكلامية إلى حرب ميدانية؟ (1)

    • من abuaamer
    • يونيو 30, 2026
    • 0 views
    تركيا تواجه إسرائيل: هل تتحول المشادة الكلامية إلى حرب ميدانية؟ (1)

    أبواق أحمد الشرع الإعلامية تواجه صرخات المظلومين في سوريا

    • من ezqassam
    • يونيو 30, 2026
    • 1 views
    أبواق أحمد الشرع الإعلامية تواجه صرخات المظلومين في سوريا

    من أسامة بن محمد بن لادن إلى إخوانه وأخواته في الأمَّة الإسلامية عامَّة (2)

    • من admin
    • يونيو 30, 2026
    • 1 views
    من أسامة بن محمد بن لادن إلى إخوانه وأخواته في الأمَّة الإسلامية عامَّة (2)

    من أسامة بن محمد بن لادن إلى إخوانه وأخواته في الأمَّة الإسلامية عامَّة (1)

    • من admin
    • يونيو 30, 2026
    • 1 views
    من أسامة بن محمد بن لادن إلى إخوانه وأخواته في الأمَّة الإسلامية عامَّة (1)