ما هو دينكم؟ الإسلام أم العلمانية؟

ما هو دينكم؟ الإسلام أم العلمانية؟

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

أَمَّا بَعْدُ:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴿آلِ عِمْرَانَ: ١٠٢﴾.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴿النِّسَاءِ: ١﴾.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴿الْأَحْزَابِ: ٧٠-٧١﴾.

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

السلام علیکم ورحمة الله وبرکاته.

قال الله تعالى: قاتلوا الذین لا یؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا یحرمون ما حرم الله ورسوله ولا یدینون دین الحق من الذین أوتوا الکتاب حتى یعطوا الجزیة عن ید وهم صاغرون (التوبة/29).

إن لأهل الکتاب تصورات عن الله واليوم الآخر والحلال والحرام وفق معتقداتهم ولکن الله تعالى يرفض تلك التصورات وإنما یقبل المعتقدات التي جاءت على لسان خاتم رسله صلى الله علیه وسلم.

إذن، فإنه یجب في تعریف المصطلحات المتعلقة بالشرائع السماویة کالله والشهید والدین والآخرة وغیرها أن نرجع إلى ما عرفه الله تعالى ونطرح جمیع التوهمات والتعاریف والتصورات المخالفة للشرع.

– فکل إنسان له تصور وتعریف لله ولکن المسلم یعتقد ذلك الرب الذي عرف بنفسه في القرآن وعلى لسان نبيه صلى الله علیه وسلم.

– وکل إنسان له تصور للقیامة ولکن المسلم یعتقد تلك القیامة التي وصفها الله تعالى على لسان خاتم أنبيائه.

– وکل إنسان له تصور للحلال والحرام ولکن المسلم یحل ما أحله الله ویحرم ما حرمه الله.

وأما تعریف لفظ «الدین»، فإن بین الناس اختلافا کثیرا فيه  ولابد لنا أن نعرف معناه في اللغة العربیة التي نزل بها القرآن الکریم. فعندما کان العربي یسمع کلمة الدین في عصر النزول، کان یتصور منها أربعة معان رئیسیة:

١- الغلبة والقوة والحکم والسلطان والإخضاع أي بکلمة واحدة: السلطان والسيادة.

فإذا قيل: دان الناس أي: أخضعهم وأجبرهم على الطاعة وفي الموعظة الحكيمة: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت أي الذكي هو من يسيطر على نفسه ويروضها ويعمل للآخرة.

٢- الشرع والقانون والمنهج والعادات والتقاليد وبکلمة واحدة: القانون والمنهج.

فقد جاء أنه عليه السلام كان على دين قومه أي: أن النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم قبل البعثة كان يتبع حدود وأنظمة وقوانين قومه في الأمور المدنية والاجتماعية كالزواج والطلاق والميراث ونحوها.

٣- الطاعة والعبادة والخدمة وبکلمة واحدة: الطاعة والانقياد.

 

وفي حديث الخوارج قال النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» أي: يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية وليس المعنى أنهم يخرجون من الدين بمعنى الملة (الإسلام) فيكفرون لأنه لما سئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أكان الخوارج كفارا؟ قال: إنهم فروا من الكفر وسئل: أكانوا منافقين؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا وهؤلاء يذكرون الله آناء الليل وآناء النهار. فمن كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه يتضح أن المراد هنا من كلمة الدين هو الطاعة للإمام الحق أي الطاعة والانقياد.

٤- المجازاة والمكافأة والقضاء والحساب

وفي الأمثال العربية: كما تدين تدان أي: كما تعامل الناس يعاملونك.

ففي هذه الحالة كان معرفة معنى الدين أمرا عاديا ويوميا لدى العرب ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحاجة كما نحن اليوم إلى أن يشرح لقومه هذه المصطلحات ويصرف فيها الوقت الكثير، بل كان الناس أنفسهم على علم بها وقد نزل القرآن بلغتهم الأم، فكان يكفي أن يصل إليهم الكلام حتى يتدبروا فيما هو واضح ومفهوم لديهم. قال تعالى: ﴿إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون﴾ (يوسف/٢).

وهكذا كان العربي إذا سمع كلمة الدين فتتكون في ذهنه ببساطة أربعة معان أساسية:

١- السلطة

٢- القوانين والحدود والطريقة والبرنامج الذي يتبعه الناس تحت نفوذ هذه السلطة.

٣- الطاعة والانقياد للسلطة الحاكمة وللقانون الذي تنفذه.

٤- وأخيرا الحساب والقضاء والمكافأة أو العقاب.

ونقول هنا باختصار إن الدين هو مجموع السلطة التي تفرض على الناس من خلال القوانين والأنظمة التي سنتها الطاعة والانقياد لهذه المجموعة من القوانين والحدود، ثم تحاسبهم على مقدار طاعتهم أو عصيانهم لها، فتكافئهم أو تعاقبهم.

هذا ما كان يتبادر إلى ذهن العربي بمجرد سماع كلمة الدين وكان إذا قيل له: اتبع دين فلان، يفهم تماما ما الذي يُطلب منه أن يقبله ولذلك إما أن يقبله عن وعي أو يرفضه.

والآن لننتقل إلى معنى الدين في القرآن الكريم: إن كلمة الدين في القرآن وإن كانت مبنية على تلك الأركان الأربعة الأساسية إلا أنها استخدمت وفُسرت بصورة أكثر كمالا من معناها اللغوي:

١- السلطة والسلطان الأعلى.

٢- القوانين والأحكام التي قامت بفضل قوة هذه السلطة.

٣- الطاعة والخضوع للسلطة التي قامت بفضل قوتها.

٤- الجزاء الذي تمنحه السلطة الحاكمة والسيادة العليا للأفراد مقابل اتباعهم ذلك النظام وإخلاصهم له أو العقاب الذي تفرضه على كل تمرد وعصيان.

قد يستخدم القرآن الكريم كلمة الدين بمعنى السلطة والطاعة معا، وقد يقتصر بها على معنى واحد من معاني القوانين والأحكام أو الجزاء والعقاب وفي بعض الحالات يستعمل كلمة الدين ويريد بها المعاني الأربعة جميعا في وقت واحد.

الدين بمعنى (السلطة والطاعة):

قال الله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾ (البينة/٥).

استعملت كلمة الدين في هذه الآية وما شابهها، بمعنى السلطان الأعلى والانقياد لسلطان الله والخضوع له بالطاعة والعبادة في النهاية. والمراد من إخلاص الدين لله هو ألا يستسلم الإنسان لسلطة أو سلطان أو أمر غير الله وأن يخلص طاعته وعبادته لله بحيث لا يعبد سواه ولا يتبع غيره أبدا.

الدين بمعنى (النظام الفكري والعملي أي القوانين والأحكام):

قال الله تعالى:

– ﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم﴾ (يوسف/٤٠).

– ﴿كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك﴾ (يوسف/٧٦).

أو كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ (الشورى/٢١). أي: لعل لهم شركاء وضعوا لهم قوانين من الدين لم يأذن الله بها.

فكلمة الدين في هذه الآيات تعني القانون والحدود والشريعة والطريقة والنظام الفكري والعملي الذي يعتبر الإنسان نفسه مقيدا وملزما بتنفيذه.

الدين بمعناه الرابع (الجزاء والعقاب)

قال الله تعالى:

– ﴿إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع﴾ (الذاريات/٥-٦)

– ﴿أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين﴾ (الماعون/١-٣)

– ﴿وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله﴾ (الإنفطار/١٧-١٩)

فكلمة الدين في هذه الآيات تعني القضاء على أعمال الإنسان والمكافأة والعقاب.

الدين كمصطلح جامع وشامل يجمع المعاني الأربعة معا:

قال الله تعالى:

– ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ (آل عمران/١٩).

– ﴿ومن یبتغ غیر الإسلام دینا فلن یقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرین﴾ (آل عمران/٨٥).

ففي هذه الحالة يقول الله تعالى إن الدين بمعانيه الأربعة كاملة (لا ناقصة) إنما هو لـدين الإسلام وحده وأن الله تعالى لا يقبل دينا آخر غير دين الإسلام.

وقال الله تعالى في موضع آخر: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ (التوبة/٣٣).

وقال تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ (الأنفال/٣٩).

ففي هذه الآية يأمر المسلمين بأن يكون الدين كله وبصورة كاملة لله.

وقال الله تعالى في موضع آخر: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا﴾ (النصر/١-٢).

تخاطب هذه الآية النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان صاحب السلطة وكان ينفذ المعاني الأربعة للدين كاملة وكان الناس يدخلون في دين الله أفواجا بعد فتح عاصمة العلمانيين في جزيرة العرب آنذاك.

إذن فالدين الواحد عند الله هو الإسلام: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ (آل عمران/١٩).

وفي مقابل دين الإسلام بكل شرائعه، نشهد دين المشركين أو العلمانيين بكل أحزابهم ومذاهبهم الذين يريدون أيضا تحقيق المعاني الأربعة للدين راغبين في تحقيقها لأنفسهم ولذلك أمر الله تعالى نبيه أن يقول للكافرين المشركين (أو العلمانيين): ﴿لكم دينكم ولي دين﴾ (الكافرون/٦). دينكم لكم وديني لي!

وهذا الدين له سابقة تاريخية طويلة في مواجهة دين الإسلام. فكان فرعون يرى نفسه مدافعا عن هذا الدين الشركي أو العلماني، فيقول: ﴿وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد﴾ (غافر/٢٦).

يقول الله تعالى:

– ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق﴾ (التوبة/٣٣، الفتح/٢٨، الصف/٩).

– ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ (آل عمران/١٩).

– ﴿وأخلصوا دينهم لله﴾ (النساء/١٤٦).

– ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾ (آل عمران/٨٥).

ونحن أيضا نوجه إليكم السؤال الذي وجهه الله تعالى: ﴿أفغير دين الله يبغون﴾ (آل عمران/٨٣). أفغير «دين الله» يريدون؟

هل تمنحون هذه المعاني الأربعة لـدين الإسلام، أم لـدين العلمانية والعلمانيين؟

إن العلمانيين أو بتعبير عربي «المشركين» هم في الحقيقة الذين لا يقبلون هذه المعاني الأربعة للدين من أي شريعة سماوية ويقولون بصراحة ووضوح: نحن لم نأخذ هذه القوانين من الله، وهذه القوانين إما نحن ننتجها في برلماناتنا ومجالسنا، أو نرثها عن آبائنا وأسلافنا ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا﴾ (البقرة/١٧٠).

وينقسم هؤلاء المشركون إلى قسمين رئيسيين، لهما آلاف الأحزاب والفروع:

– إما أن يكونوا أصحاب تصورات عن الله والقيامة وغيرها وهم اليوم يندرجون تحت اسم العلمانيين الليبراليين.

– أو أنهم لا يؤمنون بالله والقيامة وفي الأدب القرآني يُسمون بالدهريين وفي الأدب المعاصر يُطلق عليهم «الإلحاد» و«المادية» و«الربوبية» وغيرها.

فالمشركون أو العلمانيون في صورتهم الكبرى هم من هذين القسمين بآلاف الأحزاب والفرق والمذاهب.

إن العلمانيين أو بتعبير عربي «المشركين» لا يقبلون أن تكون ١- السلطة ٢- التشريع ٣- الطاعة والانقياد، ٤- والجزاء والمكافأة في هذه الدنيا منزوعة من الإنسان وتفوض بالكامل إلى الله تعالى.

وذلك فإن «العلمانية» دين في مقابل دين الإسلام والشرائع السماوية وعندما يقول الله: ﴿لكم دينكم ولي دين﴾ فماذا يعني؟:

– ليست الأديان تنزل من عند الله، بل إن البشر أيضا يقدر على إنتاج دين والخطأ الذي يقع فيه كثيرون هو الظن بأن الدين لا بد أن يكون من عند الله وليس الأمر كذلك.

– ﴿لكم دينكم ولي دين﴾ يعني أن البرنامج الذي صنعه «المشركون» أو «العلمانيون» بأنفسهم أيضا دين، دين في مقابل دين الإسلام. والعلمانيون لهم دين صنعوه بأيديهم، يطبقون عليه المعاني الأربعة للدين وينفذونها في حياتهم، وهي:

١- سلطة حكومية خاصة بهم.

٢- قوانين وبرامج وأوامر ونواهٍ خاصة بهم.

٣- يطالبون مواطنيهم بالطاعة والانقياد لهذه القوانين والأحكام الحكومية.

٤- لديهم نظام قضائي وجزائي ومكافآت، فيجازون ويعاقبون حسب أحكامهم الخاصة.

يمتلك العلمانيون المعاني الأربعة للدين» كاملة وبذلك يقف «دين العلمانية» في مقابل «دين الإسلام» ولا يمكن لأحد أن يكون له «دين العلمانية» و«دين الإسلام» في آن واحد. لا يمكن أن يتبع قوانين الشيطان وقوانين الله معا، ولا أن يقبل سلطة الله وسلطة الشيطان في الوقت نفسه.

ما جعل الله للرجل قلبين في جوفه (الأحزاب/٤)، ففي اختيار هذين الطريقين يكون الإنسان إما مسلما أو علمانيا ولا يمكن أن يؤمن ببعض «دين الإسلام» ويكفر ببعضه ﴿ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض﴾، ولا يوجد شيء يتكون من حق وباطل فيمكن للشخص أن يأخذ جزءا من الإسلام وجزءا من «دين العلمانية» ولا يمكن صنع خليط جديد بمزج بعض الحق مع بعض الباطل.

الذين يريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا فهم يعتنقون هذه الفكرة ﴿ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا﴾، وقد قال الله تعالى فيهم: ﴿أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا﴾ (النساء/١٥١).

 

هذا العلماني (أو هذا المشرك بالتعبير العربي) الذي رفض جزءا أو كل شريعة الله، إنما يقول في الحقيقة (نعوذ بالله): إن الله جدير بأن يشرع في آداب الطهارة والوضوء والصلاة وسائر الأمور الشخصية، ولكنه غير جدير بأن يشرع في الأمور القضائية والاقتصادية والعسكرية والإدارية للمجتمع.

– نعوذ بالله ـ لا يستحق الله أن أسلم له سلطتي وسلطاني لقوانينه

– نعوذ بالله ـ لا يستحق الله أن أقدم له طاعتي وانقيادي، بل الهوى وسائر الآلهة والأحزاب العلمانية التي اخترتها لنفسي هي التي تملك هذا الاستحقاق.

إذن فإن الله تعالى لن يغفر أبدا لمثل هؤلاء الأشخاص العمانيين المسيئين الذين أساؤوا إليه مباشرة وشككوا في علمه وحكمته وقدرته وسائر صفاته، واتهموه نوعا ما بالجهل والضعف.سبحانه عما يشركون.

وقد جعل الله تعالى في الدنيا نظام البراءة من المشركين بتوصيفهم بالنجاسة ﴿إنما المشركون نجس﴾ (التوبة/٢٨)، ثم أمر بالبراءة منهم ومن معتقداتهم: ﴿إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ (الممتحنة/٤).

إذن لا ينكح من نساء المشركين ولا يؤكل طعامهم ولا تُقبل منهم الجزية، بينما لا يشمل هذا الحكم أهل الكتاب من البراءة والأحكام الثلاثة السابقة، فإننا نتبرأ من معتقداتهم فقط لا من أشخاصهم.

وفي القيامة أيضا لن يغفر الله أبدا لمن مات على معتقدات علمانية، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركا، أو مؤمن قتل مؤمنا متعمدا».[1]

ولكن هؤلاء العلمانيين (أو هؤلاء المشركين) لا يكتفون بأن يكون لهم دينهم وللمسلمين دينهم، بل يفرضون حربا مسلحة على أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأخذوا منا هذه المعاني الأربعة للدين ويسلموها إلى «دين العلمانية»، كما قال الله تعالى: ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا﴾ (البقرة/٢١٧).

إنهم يريدون من أتباع الشرائع السماوية خاصة شريعة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، أن يتركوا المفاهيم الأربعة لـدين الإسلام، وفي الحقيقة محتوى دين الإسلام فقط ولا شيء غير ذلك ولذلك فرضوا القتال والحرب المسلحة على المسلمين.

كما أن الله تعالى جعل الخلق حقا له، فإنه جعل الحكم والتشريع حقا له أيضا ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ ولكن شخصا ما جعل عن وعي وعمد وبإرادته واختياره مخلوقا من مخلوقات الله خليفة لله في أمر التشريع.

الآن يجب عليكم أن تعلموا أنه لماذا لم يسم الله تعالى كفار أهل الكتاب وشبه أهل الكتاب بالمشركين؟ لأن هذه الفئة من الكفار يعتقدون أن كل ما عندهم من الله ولا يقولون أبدا إن ما عندهم من صنعهم أو أنه ليس من الله. أما هذا المشرك فيقول بوقاحة: هذه القوانين لا علاقة لها بالله، ويجب أن تحل محل قوانين الله!!!

فماذا يجب أن يُفعل بالكافر المشرك أو العلماني الذي يرفع مخلوقا إلى مستوى خالق السموات والأرض ويجعل قوانين المخلوق أعلى من قوانين الله؟ حتى بالنسبة لمن مات علمانيا أو مشركا لا يجوز الدعاء له بالمغفرة ولا ينفعه ذلك، لأن الله تعالى لا يغفر لهم أبدا ولو كان هذا المشرك أو العلماني والد سيدنا إبراهيم عليه السلام ﴿إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك﴾ (الممتحنة/٤).

عندما تتركون أنتم السلطة الحكومية وقانون وبرنامج شريعة الله، و الطاعة والانقياد لهذا القانون والبرنامج والجزاء والمكافأة على أساس هذا البرنامج، فهل تكون قد تركت محتوى «دينك»؟ نعم، هذا بالضبط ما يريده العلمانيون منكم، ولذلك يقاتلونكم ويحاربونكم دائما. انتبهوا: هم لا يكتفون بالحوار معكم حتى يصلوا إلى هذا الهدف، بل يقاتلونكم ويشنون حربا مسلحة وعندما يصل الشخص إلى هذه الدرجة ويترك المعاني الأربعة للدين ومحتواه الأساسي، عندها يترك العلمانيون الحرب والقتال معه، ويعطونه في إطار قوانينهم العلمانية امتيازات شبه متساوية (مثل الشيوعيين والمثليين وجماعات الشيطانيين وسائر الطبقات في المجتمع السکولاري) باسم الحريات الشخصية لأنهم لا يعطونهم امتيازات مساوية تماما للعلمانيين، فهؤلاء الذين تركوا المحتوى الأربع لدينهم يستطيعون تحت هذه الحريات أن يبنوا لأنفسهم مساجد، ويطيلوا لحاهم، ويحجوا، ويصوموا، ويعتكفوا، ويحتفظوا بأمورهم الشخصية في قلوبهم ويمارسوها، كما يستطيع عبدة الشيطان والنصراني أن يكون له أماكن خاصة ويمارس شعائره في مراكزه.

 

هنا يتضح جليا أن «دين العلمانية» ديكتاتورية عسكرية مسلحة في مواجهة أي قانون أو برنامج آخر غير القوانين والبرامج العلمانية،. فيستمر في الحرب معكم حتى تتركوا المحتويات والمفاهيم الأربعة للدين ويستمر في حربهم المسلحة (مدعومة دائما بالحرب الناعمة والنفسية والإعلامية) حتى يصلوا بالمسلمين إلى هذه الدرجة.

الآن، أنتم تعطون هذه المعاني الأربعة للدين أي السلطة الحكومية والقانون والبرنامج والطاعة والجزاء والمكافأة لأي دين؟ لـ«دين الله» أم لدين العلمانية؟

إجابتكم على هذا السؤال هي التي تحدد «دينكم».

اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.

ربنا أعزنا بالإسلام، وأعز بنا الإسلام، اللهم أعل بنا كلمة الإسلام، وارفع بنا راية القرآن.

سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

أخوکم فی الله: أبو سلیمان خالد

 

[1] صحيح أبي داود  4270

  • Related Posts

    التواطئ واللامبالاة والتساهل مع العلمانيين تعني شراء عذاب الله جل جلاله

    التواطئ واللامبالاة والتساهل مع العلمانيين تعني شراء عذاب الله جل جلاله     بسم الله والحمد لله أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يودّ العلمانیون أو من يسمون في…

    Est-ce que c’est ce Conseil du peuple appliquera la loi d’Allah, le Très-Haut

    « Est-ce que c’est ce Conseil du peuple appliquera la loi d’Allah, le Très-Haut ?  Et réalisera-t-il les objectifs de la révolution, pour laquelle plus d’un million de personnes sont…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    التواطئ واللامبالاة والتساهل مع العلمانيين تعني شراء عذاب الله جل جلاله

    التواطئ واللامبالاة والتساهل مع العلمانيين تعني شراء عذاب الله جل جلاله

    ما هو دينكم؟ الإسلام أم العلمانية؟

    • من admin
    • يوليو 18, 2026
    • 1 views
    ما هو دينكم؟ الإسلام أم العلمانية؟

    Est-ce que c’est ce Conseil du peuple appliquera la loi d’Allah, le Très-Haut

    • من admin
    • يوليو 18, 2026
    • 1 views
    Est-ce que c’est ce Conseil du peuple appliquera la loi d’Allah, le Très-Haut

    لورنس العرب و إفشال مخططات أمريكا في حرب برية ضد إيران

    • من admin
    • يوليو 18, 2026
    • 1 views
    لورنس العرب و إفشال مخططات أمريكا في حرب برية ضد إيران

    لزوم التعاون والنصرة على الدين من الشرق الإسلامي إلى خراسان حتى غزة وسوريا وجزيرة العرب والمغرب الإسلامی

    • من abuaamer
    • يوليو 18, 2026
    • 2 views
    لزوم التعاون والنصرة على الدين من الشرق الإسلامي إلى خراسان حتى غزة وسوريا وجزيرة العرب والمغرب الإسلامی

    حماس و قيام أجهزة السلطة باعتقال الأسيرة المحررة الطبيبة شيماء أبو غالي من جنين

    • من admin
    • يوليو 17, 2026
    • 2 views
    حماس و قيام أجهزة السلطة باعتقال الأسيرة المحررة الطبيبة شيماء أبو غالي من جنين