الشیخ اسامه بن لادن تقبله الله و رسالة إلى الشعب الأمريكي – الحل

الشیخ اسامه بن لادن تقبله الله و رسالة إلى الشعب الأمريكي – الحل

شعبان 1428 هـ – مايو 2007 م

 

الحمد لله الذي أقام السموات والأرض بالعدل، وخلق الإنسان مِنَّةً منه وفضل، من سننهِ أنَّ الأيام بين الناس دول، ومن شريعته الاقتصاص بالمثل؛ العين بالعين والسن بالسن والقاتل له القتل، والحمد لله الذي رغَّب عباده بالجنة فكلُّهمهم يدخلها إلا من أبى، ومن أطاعه وحده في جميع شؤونه دخل الجنة، ومن عصاه فقد أبى، أمَّا بعد؛

 

السلام على من اتَّبع الهدى.

 

أيُّها الشعب الأمريكي؛ أحدِّثكم أحاديث هامَّة تخصُّكم فأعيروني أسماعكم، أبدأ فيها بالحديث عن الحرب التي بيننا وبينكم وبعض تداعياتها علينا وعليكم، وتمهيدًا أقول:

 

رغم أنَّ أمريكا تملك أكبر قوَّة اقتصادية، وتملك أقوى وأحدث ترسانة عسكرية كذلك، وهي تنفق على هذه الحرب وجيشها أكثر ممَّا تنفقه الدنيا على جيوشها، وهي الدولة الكبرى المؤثرة على سياسات العالم وكأنَّما حقُّ الفيتو الظالم حكر لها، ومع ذلك كلِّه استطاع من فضل الله تعالى تسعة عشر شابًا أن يحرفوا بوصلتها عن مسارها، بل لقد أصبح الحديث عن المجاهدين جزءًا لا يتجزَّأ من حديث زعيمكم، ولا يخفى ما لذلك من آثار ودلالات؛ فأمريكا منذ الحادي عشر وقع كثير من سياساتها تحت تأثير المجاهدين وذلك من فضل الله تعالى، فكان من ذلك أن عرف الناس حقيقتها فازدادت سمعتها سوءًا، وكُسرت هيبتها عالميًّا وتمَّ استنزافها اقتصاديًا وإن تقاطعت مصالحنا مع مصالح الشركات الكبرى وكذلك مع المحافظين الجدد مع اختلاف النوايا، فلقد فقد إعلامكم في سنوات الحرب الأولى مصداقيَّته وظهر كأداة من أدوات الإمبراطوريات الاستعمارية، وعاد حاله في كثير من الأحيان أسوأ من حال إعلام الأنظمة الديكتاتورية التي تسير في ركاب الزعيم الأوحد، ثمَّ إنَّ (بوش) يتحدَّث عن تعاونه مع المالكي وحكومته لنشر الحرية في العراق ولكنَّه في الحقيقة يتعاون مع زعماء طائفة ضدَّ طائفة أخرى ظنًّا منه أنَّه سيحسم الحرب لصالحه بسرعة، وبذا نشأ ما يُسمَّى بالحرب الأهلية، وازدادت الأمور سوءًا على يديه وخرجت عن سيطرته، فأصبح كمن يحرث في البحر لا يحصد إلا فشلاً! فهذه بعض حقائق الحرية التي يحدِّثكم عن نشرها، ثمَّ إنَّ تراجُع (بوش) عن إصراره بعدم إعطاء الأمم المتحدة صلاحيات واسعة في العراق هو اعتراف ضمني بخسارته وهزيمته هناك، وإنَّ من أهمِّ البنود التي تضمَّنتها خطابات (بوش) منذ أحداث الحادي عشر قوله أنَّه ليس أمام الأمريكيين إلا مواصلة الحرب، وهذا الكلام في الحقيقة هو ترديد لكلام المحافظين الجدد كـ (تشيني) و (رامسفيلد) و (ريتشرد بيرل) الذي قال سابقًا: ليس أمام الأمريكيين سوى الاستمرار في الحرب أو المحرقة.

 

 

وأقول تفنيدًا لهذه المقولة الظالمة: إنَّ أخلاق وثقافة المحرقة هي ثقافتكم وليست ثقافتنا، بل إنَّ تحريق الكائنات الحيَّة محرَّم في ديننا حتى وإن صغرت كالنمل فما بالكم بالبشر! ومحرقة اليهود قام بها إخوانكم وسط أوروبا ولو كانت قريبةً من بلادنا لنجا معظم اليهود باللجوء إلينا، ودليلي على ذلك: ما فعله إخوانكم الأسبان عندما أقاموا محاكم التفتيش الرهيبة للمسلمين واليهود فلم يجد أولئك اليهود ملاذًا آمنًا إلا باللجوء إلى بلادنا، ولذلك فإنَّ الجالية اليهودية في المغرب اليوم هي من أكبر الجاليات في العالم، وهم أحياء عندنا ولم نحرقهم، ولكننا قوم لا ننام على الضيم، نرفض الذلَّ والهوان، ونثأر من أهل البغي والعدوان، ولن تذهب دماء المسلمين هدرًا، وإن غدًا قريب لمن انتظر، ثمَّ إنَّ إخوانكم النصارى يعيشون بيننا منذ أربعة عشر قرنًا؛ ففي مصر وحدها ملايين النصارى لم نحرقهم ولن نحرقهم، وإنَّما هناك حملة مغرضة مستمرة منذ زمن بعيد يشنُّها ساستكم وكثير من كُتَّابكم عبر إعلامكم وخاصَّة هوليوود بغرض تشويه الإسلام وأهله لصدِّكم عن الدين الحقِّ؛ فإبادة الشعوب وحرقها تمَّ على أيديكم فلم يبقَ من الهنود الحمر إلا عيِّنات قليلة، وبالأمس القريب أحيا اليابانيون الذكرى الثانية والستين لإبادة ناجازاكي وهيروشيما بقنابلكم النووية، وإنَّ ممَّا يلفت نظر المتأمِّل لتداعيات حربكم الظالمة على العراق فشل نظامكم الديمقراطي رغم رفعه شعارات العدل والحرية والمساواة والإنسانية، فهو لم يعجز عن تحقيق هذه الأمور فحسب، بل بسلاحها تمَّ سحق هذه المعاني وغيرها ولا سيَّما في العراق وأفغانستان بشكل صارخ، واستبدل ذلك بالخوف والدمار، والقتل والجوع، والمرض والتشرُّد، وأكثر من مليون يتيم في بغداد وحدها فضلاً عن مئات الألوف من الأرامل، وإنَّ الإحصائيات الأمريكية تتحدَّث أرقامها عن قتل أكثر من ستمائة وخمسين ألفًا من أهل العراق نتيجة للحرب وتداعياتها.

 

أيُّها الشعب الأمريكي؛ إنَّ العالم يتابع أخباركم فيما يخصُّ غزوكم للعراق، فقد علم الناس مؤخرًا بعد بضع سنين من مآسي الحرب أنَّ الغالبية العظمى منكم تريد إيقافها فلذا تمَّ انتخابكم للحزب الديمقراطي لهذا الغرض، ولكن الديمقراطيين لم يحرِّكوا ساكنًا يُذكر بل ما زالوا يوافقون على صرف عشرات المليارات لمواصلة القتل والحرب هناك، ممَّا أدَّى إلى إصابة الغالبية العظمى منكم بخيبة أمل، وهنا بيت القصيد؛ فينبغي التوقف والتدبُّر والتفكُّر: لماذا فشل الديمقراطيون في وقف هذه الحرب رغم أنَّهم الأكثرية؟ وسأعود للإجابة على هذا السؤال بعد إثارة سؤال آخر وهو: لماذا يحرص زعماء البيت الأبيض على إشعال الحروب وخوضها في العالم، وينتهزون كلَّ فرصة ممكنة ينفذوا من خلالها لهذا الغرض، بل أحيانًا يوجِدون مبرِّرات مبنيَّة على خدع وأكاذيب فاضحة -كما رأيتم في العراق-، ففي حرب فيتنام ادَّعى وقتها زعماء البيت الأبيض أنَّها حرب مهمَّة وضرورية وقتل خلالها (رامسفيلد) وأعوانه مليونين من القرويين، ثمَّ لمَّا تولَّى (كنيدي) الرئاسة وخرج عن الخط العام للسياسة المرسومة للبيت الأبيض وأراد أن يوقف هذه الحرب الظالمة أغضب ذلك أصحاب الشركات الكبرى المستفيدين من استمرارها فقُتل (كنيدي) ، ولم تكن القاعدة موجودة وقتها! وإنَّما تلك الشركات هم المستفيد الأول من قتله، واستمرَّت الحرب بعد ذلك قرابة عقد من الزمان، وبعد أن تبيَّن لكم أنَّها حرب ظالمة وليست ضرورية كان من أخطائكم الكبرى أنَّكم ما حاسبتم ولا عاقبتم من خاض هذه الحرب وخاصَّة سفاحها الألد (رامسفيلد) ، والأعجب من ذلك أنَّ (بوش) اختاره وزيرًا للدفاع في فترته الأولى بعد أن اختار (تشيني)

 

 

نائبًا له، و (باول) وزيرًا للخارجية، و (أرميتاج) نائبًا له، رغم ماضيهم الدموي الرهيب في قتل البشر، فكان ذلك مؤشِّرًا واضحًا أنَّ هذه الإدارة إدارة الجنرالات ليس همُّها الأكبر خدمة البشر وإنَّما السعي لإنشاء مجازر أخر، ومع ذلك سمحتتم لبوش أن يُتمَّ فترته الأولى، والأغرب من هذا أن اخترتموه لفترة ثانية، وذلك تفويض صريح منكم له عن علم ورضى ليواصل قتل أهلنا في العراق وأفغانستان، ثم تزعمون أنَّكم أبرياء، وبراءتكم هذه كبراءتي من دماء أبنائكم يوم الحادي عشر لو ادَّعيتها، ولكن هذا محال أن أجاري الكثير منكم في الكِبْر واللامبالاة بحياة البشر خارج أمريكا، أو أجاري زعماءكم في الكذب، فالدنيا كلها تعلم أنَّ لهم من ذلك نصيب الأسد، فهذه الأخلاق ليست أخلاقنا.

 

وممَّا أريد أن أؤكد عليه هنا أنَّ عدم محاسبة مجرمي الحرب السابقين أدَّى إلى أن كرَّروا تلك الجريمة بقتل البشرية بغير حقٍّ، فخاضوا هذه الحرب الظالمة في أرض الرافدين، وها هم المظلومون اليوم يواصلون أخذ حقِّهم منكم، فهذه الحرب لم يكن لها أي ضرورة وتشهد على ذلك تقاريركم، ومِن أقدر من يحدِّثكم عن هذا الموضوع وعن صناعة الرأي العام من طرفكم (نعوم تشومسكي) ؛ فقد نصح قبل الحرب بكلام رزين، ولكن زعيم تكساس لا يحبُّ الناصحين! لقد خرجت الدنيا بأسرها في مظاهرات غير مسبوقة تحذِّر من شنِّ الحرب وتصف حقيقتها بعبارات بليغة “لا لسفك الدم الأحمر من أجل النفط الأسود” فلم يبالِ بهم، ولقد آن للبشرية أن تعلم أنَّ الحديث عن حقوق الإنسان والحرية أكاذيب تُصدَّر من البيت الأبيض وحلفائه في أوروبا لخداع البشر والاستيلاء على مقدَّراتهم وإخضاعهم.

 

وللإجابة عن أسباب فشل الديمقراطيين في إيقاف الحرب أقول:

 

إنَّها نفس أسباب فشل الرئيس السابق (كنيدي) في إيقاف حرب فيتنام؛ فأصحاب القوة الحقيقية والنفوذ هم كبار أصحاب رؤوس الأموال وطالما أنَّ النظام الديمقراطي يسمح للشركات الكبرى بدعم المرشَّحين سواء للرئاسة أو الكونجرس فما ينبغي وليس هناك داعٍ للتعجُّب من فشل الديمقراطيين في إيقاف الحرب، فأنتم أصحاب المثل القائل: “أنت تدفع أنت تتكلم” ، وإنِّي أقول لكم: إنَّه بعد فشل ممثِّليكم في الحزب الديمقراطي في تنفيذ رغبتكم في إيقاف الحرب يبقى أمامكم أن تحملوا اللافتات المعارضة لها وتتفسَّحوا في شوارع المدن الكبرى ثم تعودون إلى بيوتكم، فإنَّ ذلك لن يجدي نفعًا ممَّا يعني أنَّ الحرب ستطول، ولكن هناك حلاَّن لإيقافها: الأول من طرفنا؛ وهو استمرار تصعيد القتل والقتال ضدَّكم وهذا واجبنا، وإخواننا قائمون به أرجو الله أن يثبِّتهم وينصرهم.

 

والحل الثاني من طرفكم؛ فبعدما ظهر وتبيَّن لكم وللعالم أجمع عجز النظام الديمقراطي وعبثه بمصالح الشعوب ودمائها فتتمّ التضحية بالجنود وبالشعوب من أجل مصالح الشركات الكبرى، وبذا قد ظهر للجميع أنَّهم هم الإرهابيون الظالمون على الحقيقة، بل إنَّ البشرية جمعاء مهدَّدة حياتُها بالخطر بسبب الاحتباس الحراري الناتج بدرجة كبيرة من عوادم مصانع الشركات الكبرى، ومع ذلك يُصرُّ مندوبو هذه الشركات في البيت الأبيض على عدم الالتزام باتفاقية (كيوتو) ، علمًا أنَّ

 

 

الإحصائيات تتحدَّث عن وفاة وتهجير الملايين من البشر جرَّاء ذلك وخاصَّة في إفريقيا، هذا الطاعون الأكبر والتهديد الأخطر لحياة البشر يتمُّ بشكل متسارع تحت سيادة النظام الديمقراطي على العالم، ممَّا يؤكد فشله الذريع في حماية البشر ومصالحهم من جشع وطمع الشركات الكبرى ومندوبيهم، ورغم هذا الاعتداء الصارخ على الناس تحدَّث زعماء الغرب وخاصَّة (بوش) و (بلير) و (ساركوزي) و (براون) عن الحرية وحقوق الإنسان باستخفافٍ فظيع لعقول البشر! فهل هنالك إرهاب أشدُّ وأوضح وأخطر من هذا؟!

 

لذا فإنِّي أقول لكم: فكما تحرَّرتم من قبل من عبودية الرهبان والملوك والإقطاع فينبغي عليكم اليوم أن تتحرَّروا من الخدع والقيود والاستنزاف للنظام الرأسمالي، فلو تدبَّرتم فيه جيِّدًا لوجدتم أنَّه في المآل نظام أشدُّ قسوة وشراسة من أنظمتكم في القرون الوسطى، فالنظام الرأسمالي يهدف لجعل العالم كلِّه إقطاعية للشركات الكبرى تحت مسمَّى العولمة لحماية الديمقراطية، وما العراق وأفغانستان ومآسيهما، وما رزوح الكثير منكم تحت الديون الربوية والضرائب الجنونية والرهونات العقارية، وما الاحتباس الحراري وويلاته، وما الفقر المدقع والمرض المفجع في أفريقيا؛ إلا جانب من وجه هذا النظام العالمي الكالح، فالواجب أن تتحرَّروا من ذلك كله، وأن تبحثوا عن منهج بديل قويم ليس لأي شريحة من البشر شأن في وضع تشريعاته لصالحها على حساب الشرائح الأخرى كما هو واقع الحال عندكم، حيث إنَّ التشريعات الوضعية البشرية في جوهرها تخدم مصالح شريحة أصحاب رؤوس الأموال، فتزيد الأغنياء غنًى والفقراء فقرًا.

 

هذا المنهج المعصوم من الخطأ هو منهج الله تعالى؛ الذي خلق السموات والأرض وخلق الخلق وهو اللطيف الخبير، العليم بنفوس عباده وبما يصلح لهم من منهج، فأنتم تعتقدون اعتقادًا جازمًا أنَّكم تؤمنون بالله، وممتلئون قناعة بهذه العقيدة إلى درجة أن كتبتم عقيدتكم هذه على دولاركم، والحقيقة أنَّكم واهمون في اعتقادكم هذا، فإنَّ المحقِّق المنصِف يعلم أنَّ مقتضى الإيمان بالله تعالى الاستقامة على منهجه، فيجب أن تكون الطاعة المطلقة لأوامر الله وحده ونواهيه في جميع شؤون الحياة، فكيف بكم وقد أشركتم في الاعتقاد وفصلتم الدولة عن الدين ثم زعمتم أنَّكم مؤمنون، فما فعلتم هو الخسران المبين والشرك المستبين.

 

وسأضرب مثالاً للشرك، فالمثال يختصر ويوضِّح المقال، فأقول لكم: مَثَل ذلك كمَثَل رجل يملك متجرًا، واستأجر أجيرًا وقال له: بِعْ وأعطني الثمن، فجعل يبيع ويعطي المال لغير المالك فمن يرضى منكم بذلك؟ فأنتم تصدِّقون بأنَّ الله ربُّكم وخالقكم وخالق هذه الأرض وهي ملك له، ثم تعملون في أرضه وملكه بغير أمره وطاعته وتُشرِّعون على خلاف شرعته ومنهجه، فعملكم هذا هو الشرك الأكبر، وهو تمرُّد على طاعة الله يكفر به المؤمن وإن أطاع الله في بعض أوامره الأخرى، وأوامر الله تعالى أنزلها في كتبه المقدسة كالتوراة والإنجيل، وبعث الرسلَ صلى الله عليهم وسلم مبشِّرين للناس بها، فكل من آمن بها والتزمها فهو مؤمن من أهل ال الجنة، ثمَّ لمَّا حرَّف العلماء كلام الله تعالى واشتروا به ثمنًا قليلاً -كما فعل الأحبار بالتوراة، والرهبان بالإنجيل- أنزل الله كتابه الخاتم القرآن العظيم، وعصمه من الزيادة والنقصان على أيدي

 

 

البشر، وفيه منهج متكامل لحياة الناس جميعًا، وإنَّ تمسُّكنا بهذا الكتاب العظيم هو سرُّ قوَّتنا وكسبنا للحرب ضدَّكم رغم قلَّة عددنا وعدتنا، وإن أردتم أن تعرفوا بعض أسباب خسارتكم للحرب علينا فاقرؤوا كتاب (مايكل شوير) عن هذا الأمر، ولا يصدَّنَّكم عن الإسلام سوء أحوال بلاد المسلمين اليوم، فإنَّ حُكَّامنا في جملتهم قد تركوا الإسلام منذ عقود بعيدة، فقد كان أجدادنا قادة الدنيا وروَّادها لقرون مضت كثيرة لمَّا كانوا بالإسلام متمسِّكين.

 

وقبل الختام أقول لكم: لقد كثر المفكِّرون الذين يستقرئون الأحداث والوقائع وبنوا على ذلك قرب انهيار الإمبراطورية الأمريكية، ومن هؤلاء المفكِّر الأوروبي الذي توقَّع سقوط الاتحاد السوفييتي وسقط فعلاً، ومن المفيد لكم أن تقرؤوا ما كُتب عن ما بعد الإمبراطورية فيما يخصُّ انهيار الولايات المتحدة الأمريكية، وأريد أن ألفت نظركم إلى أنَّ من أكبر أسباب انهيار الاتحاد السوفييتي ابتلاءهم بزعيمهم (بريجنيف) الذي ركبه الغرور والكِبر ورفض الاعتراف بالحقائق على أرض الواقع، فمنذ السنة الأولى لغزو أفغانستان أشارت التقارير إلى أنَّ الروس يخسرون الحرب، لكنه أبى أن يقرَّ بذلك لكي لا يسجَّل في تاريخه الشخصي تلك الهزيمة، رغم أنَّ عدم الاعتراف بالهزيمة لا يغيِّر من الحقيقة شيئًا عند العقلاء فقط، وإنَّما يفاقم المشكلة ويزيد الخسائر، فما أشبه حالكم اليوم بحالهم قبل عقدين من الزمان تقريبًا، فأخطاء (بريجنيف) قد وقع بها (بوش) والذي صرَّح عندما سئل عن موعد سحبه للقوات من العراق -قال ما مؤدَّاه-: إنَّه لن يكون الانسحاب في عهده وإنَّما في عهد من يأتي من بعده، ولا يخفى ما في هذه الكلمات من دلالات، وهنا أقول: إنَّه من المفيد لكم أن تستمعوا للرسائل المؤثِّرة من جنودكم في العراق الذين يدفعون من دمائهم وأعصابهم وأشلائهم ثمن مثل هذه التصريحات غير المسؤولة، ومن ذلك رسالة (جوشوا) البليغة التي بعث بها عبر وسائل الإعلام وهو يمسح الدموع من عينيه، ويصف الساسة الأمريكيين بأوصاف قاسية، ودعاهم أن يرافقوه هناك لأيام قلائل، فلعل رسالته تجد عندكم أذنًا صاغية لتنقذوه وأكثر من مائة وخمسين ألفًا من أبنائكم هناك يذوقون الأمرَّيْن؛ فإن خرجوا من ثكناتهم أكلتهم الألغام، وإن رفضوا الخروج صُدِّرت عليهم الأحكام، فلم يبقَ أمامهم إلا الانتحار أو البكاء، وكلاهما من أشدِّ البلاء.

 

فهل بقي شيء يفعله الرجال بعد البكاء والانتحار حتى تستجيبوا لهم؟! يفعلون ذلك من شدَّة الذلِّ والخوف والهول الذي يعانون، وهو أشدُّ مما كان يعانيه العبيد عندكم قبل قرون، وكأنَّما قد انتقل بعضهم من عبودية إلى عبودية أشدّ وأنكى وإن كانت بثوب مزخرف بالإغراءات المالية من وزارة الدفاع فهل تشعرون بعِظَم معاناتهم؟

 

وفي الختام؛ فإنِّي أدعوكم لاعتناق الإسلام؛ وإنَّ أكبر خطأ يرتكبه الإنسان في الدنيا ويتعذَّر تصحيحه أن يموت وهو غير مستسلم لله تعالى في جميع شؤون حياته وهذا هو الإسلام، وهو كسب لكم في الأولى والآخرة، فالدين رحمة للناس في الدنيا يملأ قلوبهم طمأنينة وسكينة، ولكم في المجاهدين عبرة فالعالم كلُّه يطاردهم وقلوبهم بفضل الله راضية مطمئنة.

 

 

كما أنَّ الدين ينظِّم حياة الناس بتشريعاته، ويحفظ ضروراتهم ومصالحهم، ويهذِّب أخلاقهم، ويدفع عنهم المفاسد، ويضمن لهم دخول الجنة في الآخرة بطاعتهم وإخلاص العبادة لله تعالى وحده، كما سيحقِّق رغبتكم بإيقاف الحرب تبعًا لذلك؛ لأنَّ تجَّار الحروب أصحاب الشركات الكبرى بمجرد أن يعلموا أنَّكم فقدتم الثقة بنظامكم الديمقراطي وبدأتم تبحثون عن بديل -وهذا البديل هو الإسلام- فسيهرولون وراءكم ليرضوكم ويحقِّقوا رغباتكم ليصرفوكم عن الإسلام، فالتزامكم بالإسلام حقًّا سيفوِّت عليهم فرصة الاحتيال لأخذ أموال الشعوب تحت بنود كثيرة كصفقات السلاح وغيرها، فإنَّه ليس في الإسلام ضرائب وإنَّما هناك زكاة محدودة مقدارها اثنان ونصف في المائة فقط، فاحذروا من خدع أصحاب رؤوس الأموال.

 

وبقراءتكم الجادَّة عن الإسلام من مصادره الصافية ستصلون إلى حقيقة مهمة؛ وهي أنَّ جميع الأنبياء صلى الله عليهم وسلم دينهم واحد، وحقيقته: الاستسلام لأوامر الله تعالى وحده في جميع شؤون الحياة وإن اختلفت شرائعهم.

 

وهل تعلمون أنَّ اسم نبي الله عيسى وأمّه صلى الله عليهما وسلم قد ذُكرا في القرآن الكريم عشرات المرات؟ وأنَّ في القرآن سورة اسمها سورة مريم -أي: مريم بنت عمران أمِّ عيسى عليه الصلاة والسلام-؟ وهي تحكي قصة حملها بنبي الله عيسى صلى الله عليهما وسلم، وفيها إثبات لعفَّتها وطهارتها بخلاف افتراء اليهود عليها، فمن أراد أن يعرف حقيقة ذلك فليستمع إلى آيات هذه السورة العظيمة، ولقد سمع مَلِك عادل من ملوك النصارى -هو النجاشي- بعضًا من آياتها فذرفت عيناه وقال كلمة ينبغي أن يتوقَّف عندها طويلاً الصادقون في طلب الحقِّ، فلقد قال: “إنَّ هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة” أي أنَّ القرآن العظيم والإنجيل كلاهما من عند الله تعالى، وكلُّ عاقل منصف منكم يتدبَّر القرآن سيصل قطعًا إلى هذه الحقيقة، مع ملاحظة أنَّ القرآن قد حفظه الله من تحريفات البشر، وإنَّ القراءة للتعرُّف على الإسلام تحتاج جهدًا قليلاً وسيربح من اهتدى منكم ربحًا كثيرًا.

 

والسلام على من اتَّبع الهدى.

 

 

  • Related Posts

    كسب شرف الحرب مع الصهاینة، نقاط قوة سوريا و نقاط ضعف العدو

    كسب شرف الحرب مع الصهاینة، نقاط قوة سوريا و نقاط ضعف العدو     من بديهيات الحرب أن تعرف نقاط قوتك، وتعرف نقاط ضعف خصمك، وتعمل على استغلال الطرفين: فأول…

    تفكيك خلية تابعة لتنظيم الدولة خلال عملية أمنية في بلدة الباغوز شرقي أم …؟

    تفكيك خلية تابعة لتنظيم الدولة خلال عملية أمنية في بلدة الباغوز شرقي أم …؟     مصادر أمنية تفكيك خلية تابعة لتنظيم الدولة خلال عملية أمنية في بلدة الباغوز شرقي…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    كسب شرف الحرب مع الصهاینة، نقاط قوة سوريا و نقاط ضعف العدو

    • من admin
    • أغسطس 4, 2026
    • 1 views
    كسب شرف الحرب مع الصهاینة، نقاط قوة سوريا و نقاط ضعف العدو

    تفكيك خلية تابعة لتنظيم الدولة خلال عملية أمنية في بلدة الباغوز شرقي أم …؟

    • من admin
    • أغسطس 3, 2026
    • 1 views
    تفكيك خلية تابعة لتنظيم الدولة خلال عملية أمنية في بلدة الباغوز شرقي أم …؟

    تطوّر حال الجولانيّ، العميل90 و كذاب السوریا وفق نظريّة دارون الإنجليزي

    • من admin
    • أغسطس 3, 2026
    • 2 views
    تطوّر حال الجولانيّ، العميل90 و كذاب السوریا وفق نظريّة دارون الإنجليزي

    الشیخ اسامه بن لادن تقبله الله و رسالة إلى الشعب الأمريكي – الحل

    • من admin
    • أغسطس 3, 2026
    • 3 views
    الشیخ اسامه بن لادن تقبله الله و رسالة إلى الشعب الأمريكي – الحل

    القصف الصهيوني الإجرامي المسعور على قطاع غزة منذ صباح اليوم والذي أدى إلى استشهاد أكثر من 18 مواطناً

    • من admin
    • أغسطس 2, 2026
    • 3 views
    القصف الصهيوني الإجرامي المسعور على قطاع غزة منذ صباح اليوم والذي أدى إلى استشهاد أكثر من 18 مواطناً

    مقابل ماذا تراجع ترمب عن “ضرب إيران”؟

    • من admin
    • أغسطس 2, 2026
    • 3 views
    مقابل ماذا تراجع ترمب عن “ضرب إيران”؟