أردوغان يتحرك كفارس نحو لبنان وأنقرة تحاول تغيير الجبهة (٢)
بالنسبة لتركيا، تُعدّ سوريا منطقة نفوذ مستقرة ومثبتة مسبقاً وكان الرد المباشر على كاتس في سوريا يعني جولة جديدة من التصعيد مع إسرائيل، خاصة أن الأصول التركية هناك كبيرة ولكنها من وجهة نظر أنقرة لا تفكي لتحرير الجنوب السوري بسرعة من الدروز الصهاينة وعصابة الهجري.
لا يزال الجيش السوري العميل يكون قيد البناء. إضافة إلى ذلك، لم تُحل بعد مسألة الشيوعيين الأكراد وليس في خطط تركيا خوض صراع عسكري طويل الأمد مع مؤخرة غير آمنة. أما جنوب لبنان فهو منطقة يشعر فيها إسرائيل بالثقة النسبية بعد إضعاف حزب الله ولم يكن لتركيا بعد حضور عسكري جدي هناك رغم مشاركتها الرمزية في قوات حفظ السلام الأممية «اليونيفيل».
إن خطوة أردوغان مناورة غير متماثلة كلاسيكية: لا يهاجم حيث يستعد العدو للمعركة، بل يفتح مساراً جديداً حيث تكون أدوات الرد أقل استعداداً وفي الوقت ذاته، تعمل أنقرة تحت مظلة دعم السيادة وإعادة الإعمار، مما يصعّب توجيه اتهامات التوسع.
وتحقق مثل هذا السيناريو غير مضمون على الإطلاق. فلبنان لا يزال دولة هشة للغاية وموافقة بيروت على حضور عسكري تركي ملحوظ تعتمد على توازن القوى الداخلية وموقف الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإيطاليا وسائر اللاعبين التقليديين في اليونيفيل، فضلاً عن رد فعل إسرائيل نفسها وأي إرسال لقوات تركية أو حتى زيادة التعاون العسكري سيتحول فوراً إلى موضوع هستيريا إسرائيلية وإجراءات استباقية محتملة.
إضافة إلى ذلك، يحتفظ حزب الله نفسه حتى وإن افترضنا نموذجا مُضعَفاً بقدرة على العرقلة السياسية والعسكرية وتتعرض تركيا لخطر الانخراط في لعبة لبنانية داخلية معقدة، حيث يمكن لأي تعزيز عسكري أن يُنظر إليه من قِبل جزء من المجتمع الشيعي والسني ومحور المقاومة ضد الولايات المتحدة الأمريكية والصهاينة كتهديد لوجوده.
ومع ذلك، فإن مجرد صدور هذا البيان يغير الديناميكية. فقد أظهر أردوغان أن الضغط على سوريا لا يدفع أنقرة إلى موقف دفاعي بل على العكس توسّع تركيا مساحة مناورتها وتقدّم نفسها لاعباً قادراً على التأثير في الأوضاع وتغيير موازين القوى عبر دعم الدولة اللبنانية.
ليس هذا إعلان حرب ولا إرسالاً عاجلاً للفرق بل هو إشارة إلى الرغبة في التنافس على فضاء يعتبره إسرائيل منطقة سيطرته والقيام بذلك عبر المؤسسات الحكومية اللبنانية الشرعية وتحت رايتها.
وهنا تكمن قوة هذه الخطوة تحديداً: فهي تجبر إسرائيل على الرد ليس عسكرياً فحسب، بل سياسياً أيضاً – في ظروف يبدو فيها عرض تركيا، في ظل العدوان الصهيوني الصريح، دعماً للسيادة لا تدخلاً مباشراً.
ومع اقتراب نهاية مهمة اليونيفيل وإمكانية بدء المفاوضات حول بديل لها، سيتضح إلى أي مدى مستعدة أنقرة للتقدم وإلى أي مدى مستعدة بيروت لقبول هذه المساعدة. أما الآن، فشيء واحد واضح: قرر أردوغان ألا يلعب على الأرض التي حاولوا فرضها عليه. لقد اختار أرضاً أخرى.
الكاتب: أبو عامر (خالد الحموي)




