الدبلوماسية العامة الصهيونية (هاسبارا) وغضب إسرائيل من هزائمها

الدبلوماسية العامة الصهيونية (هاسبارا) وغضب إسرائيل من هزائمها

 

تنفق الهياكل الصهيونية مئات الملايين من الدولارات على الدعاية (هسبارا) لمنع انهيار الدعم في المجتمع الأمريكي، خاصة بين الشباب والمحافظين. وليس هذا مجرد علاقات عامة بل إنه عملية منهجية للتحكم في العقول تكشف عن مشكلات عميقة في الهزيمة الاستراتيجية لإسرائيل في الفضاء الإلكتروني بعد ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ حيث قد فشلت محاولة إعادة تصوير نفسها «ضحية» على خلفية المجازر المروعة بحق النساء والأطفال والرضع الفلسطينيين.

يستشهد المعلقون ببيانات جديدة عن التكاليف التي بلغت ملايين الدولارات لإصلاح صورة إسرائيل في الولايات المتحدة الأمريكية ويعكس هذا الوضع مجموعة من التقارير الصحفية (هآرتس، وجيروزاليم بوست، ووول ستريت جورنال، ومعهد كوينسي) التي نُشرت في عامي ٢٠٢٥-٢٠٢٦. والأرقام الرئيسية:

– خصصت إسرائيل منذ أكتوبر ٢٠٢٣ أكثر من مليار دولار لـالدبلوماسية العامة.

– أما لعام ٢٠٢٦ فقد خُصص نحو ٧٠٠ إلى ٧٣٠ مليون دولار لـهاسبارا (الدعاية) وحدها وهذا أضعاف الميزانيات السابقة.

– عقود محددة: عشرات الملايين من الدولارات للعمل مع المؤثرين الأمريكيين والكنائس الإنجيلية والشركات الموالية لترامب (مثل ٦ ملايين دولار أو أكثر مع براد بارسكيل، الاستراتيجي الرقمي السابق لترامب) وإنتاج نصوص ومحتوى قائم على الذكاء الاصطناعي.

يؤكد الخبراء غضب القادة الصهاينة من فشل هذه الجهود. فرغم التكاليف الهائلة، يستمر الدعم لإسرائيل في التراجع بين الشباب الأمريكيين (بما فيهم المحافظون) وكذلك في أوروبا وجنوب العالم.

فواقع الإبادة الجماعية في غزة والوثائق البصرية على الدمار والأزمة الإنسانية وأجساد الرضع الفلسطينيين المقطعة أثقل من أعقد الروايات.

يشير الخبراء إلى تطور «هاسبارا» النموذج الدعائي اليهودي الذي اعتمد تاريخياً على:

١. السيطرة على الرواية (حق الدفاع عن النفس وحماس تستخدم المدنيين دروعاً بشرية والديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط).

٢. شبكات النفوذ واللوبي في وسائل الإعلام والكونغرس الأمريكي والجامعات والمنظمات اليهودية (آيبك والمنظمات المشابهة).

٣. الرافعة الثقافية والدينية خاصة بين الصهاينة المسيحيين في الولايات المتحدة الأمريكية.

واليوم أُضيفت أدوات جديدة:

– استخدام واسع للذكاء الاصطناعي لإنتاج النصوص والتعليقات والفيديوهات والروبوتات.

– مؤثرون عملاء و«الأستروتورفينغ» (محاكاة الدعم الشعبي).

– حملات مستهدفة على تيك توك وإنستغرام ويوتيوب تحديداً من حيث يتلقى الشباب معلوماتهم عن فلسطين.

إنها عملية نفوذ هجينة نموذجية، شبيهة بما استخدمته القوى الكبرى في القرنين العشرين والحادي والعشرين غير أنه في ظل الرقمنة الكاملة ووجود الهواتف الذكية في كل جيب في غزة، فإن تأثير الفيديوهات الفيروسية يقوض حتى جهود الميزانيات التي تُقدر بالمليارات.

فهتسبارا الحديثة استمرار للصراع الأيديولوجي من أجل شرعية المشروع الصهيوني وقد أدرك الصهيونية الكلاسيكية (هرتزل وبن غوريون) دائماً أهمية الرأي العام الدولي وبعد عام ١٩٦٧، رعت إسرائيل بإصرار صورة دولة صغيرة شجاعة محاصرة بالأعداء ولكن بعد عام ٢٠٢٣ تشقق هذا البناء. والأسباب:

– التغير الديمغرافي والثقافي في الولايات المتحدة الأمريكية: الجيل الشاب أي الجيل Z وجيل الألفية أقل تقبلاً لـ«رواية المحرقة» المزيفة كمبرر لإبادة الفلسطينيين وأكثر ميلاً نحو الأطر المناهضة للاستعمار.

– التكنولوجيا: ديمقراطية وسائل التواصل الاجتماعي للمعلومات. فالجزيرة والصحفيون المستقلون والنشطاء الفلسطينيون يتجاوزون وسائل الإعلام التقليدية السائدة.

– الحسابات الاستراتيجية الخاطئة للقادة الصهاينة ولنتانياهو شخصياً: حرب طويلة وتوسيع العمليات العسكرية ورفض مسار سياسي لفلسطين.

 

يغضب قادة إسرائيل تحديداً لأن المال وأكاذيب وسائل الإعلام السائدة لا تحل مشكلة الشرعية وكما يُظهر تاريخ الدعاية (من السوفييت إلى أمريكا في العراق والصهاينة في غزة) فعندما تبتعد الواقعية كثيراً عن الرواية، فإن حتى أكثر الحملات الدعائية احترافية تأتي بنتائج عكسية.

يمكن القول في نهاية المطاف إن إسرائيل في هذا العصر وفي عصر حرب المعلومات حيث الروايات أهم من الحقائق تواجه إحدى أخطر كوارث السمعة في تاريخها وإن الاستثمارات الهائلة لإسرائيل في الدعاية ليست علامة قوة، بل علامة ضعف. فعندما يضطر الكيان الصهيوني إلى إنفاق ما يقرب من مليار دولار لتبرير جرائمه الدموية أمام حلفائه، فإن ذلك يدل على أزمة استراتيجية.

في عصر اللامركزية الإعلامية العالمية والوصول الحر إلى الفضاء الرقمي، لا تُحسم حرب المعلومات بالمال، بل بالتوافق بين القول والفعل، وهو ما يتناقض مع جوهر الصهيونية اليهودية المبنية على الكذب المحض. لذلك فإن غضب القادة الصهاينة لن يزداد.فالواقع البصري للمجازر في غزة يتحدث بصوت أعلى من أي ميزانية تُقدر بالمليارات.

 

الكاتب: أبو عامر (خالد الحموي)

  • Related Posts

    أعراض المؤمنين في مخيم الروج وفي درعا: اختبار جديد لأتباع أحمد الشرع وعملاء الولايات المتحدة الأمريكية والصهاينة في سوريا

    أعراض المؤمنين في مخيم الروج وفي درعا: اختبار جديد لأتباع أحمد الشرع وعملاء الولايات المتحدة الأمريكية والصهاينة في سوريا     كان ينبغي لأحداث مخيم الهول أمس وما رافقها من…

    سياسة الصبر الاستراتيجي التي يتشدق بها ممثل الجولاني في الأمم المتحدة

    سياسة الصبر الاستراتيجي التي يتشدق بها ممثل الجولاني في الأمم المتحدة   قال ممثل الجولاني في الأمم المتحدة: إن الصبر الاستراتيجي هو ما يقلق إسرائيل ويضعها أمام تحديات سياسية وإقليمية…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    الدبلوماسية العامة الصهيونية (هاسبارا) وغضب إسرائيل من هزائمها

    • من abuaamer
    • أغسطس 11, 2026
    • 1 views
    الدبلوماسية العامة الصهيونية (هاسبارا) وغضب إسرائيل من هزائمها

    أعراض المؤمنين في مخيم الروج وفي درعا: اختبار جديد لأتباع أحمد الشرع وعملاء الولايات المتحدة الأمريكية والصهاينة في سوريا

    أعراض المؤمنين في مخيم الروج وفي درعا: اختبار جديد لأتباع أحمد الشرع وعملاء الولايات المتحدة الأمريكية والصهاينة في سوريا

    سياسة الصبر الاستراتيجي التي يتشدق بها ممثل الجولاني في الأمم المتحدة

    سياسة الصبر الاستراتيجي التي يتشدق بها ممثل الجولاني في الأمم المتحدة

    ما الذي يجري في دمشق!! أخبروني يا أمة الإسلام…. إذا صانع محتوى لبناني ألهب مشاعر الشباب والفتيات!! وجعلهم يفقدون صوابهم؟!!

    • من admin
    • أغسطس 10, 2026
    • 2 views
    ما الذي يجري في دمشق!! أخبروني يا أمة الإسلام…. إذا صانع محتوى لبناني ألهب مشاعر الشباب والفتيات!! وجعلهم يفقدون صوابهم؟!!

    Syrie .Opération anti-Dawla à Quneitra avec accusation de vouloir mener une opération contre Tsahal en Syrie

    • من admin
    • أغسطس 10, 2026
    • 3 views
    Syrie  .Opération anti-Dawla à Quneitra avec accusation de vouloir mener une opération contre Tsahal en Syrie

    المهاجرون: سلاح تنتقم الولايات المتحدة الأمريكية والصهاينة بهم من إسبانيا بسبب فلسطين وإيران

    • من abuaamer
    • أغسطس 10, 2026
    • 3 views
    المهاجرون: سلاح تنتقم الولايات المتحدة الأمريكية والصهاينة بهم من إسبانيا بسبب فلسطين وإيران