إلى أين يفضي اختلاق المصالح وخطاب تيار الجولاني بالأمة الإسلامية في سوريا ؟ وأين صوت العلماء؟
ليس الهدف من هذا الكلام الدخول في نزاع سياسي أو تصفية الحسابات مع أي شخص أو تيار، بل هو دفاع عن مرجعية القرآن عندما تُستبدل هذه المرجعية تدريجياً بمرجعية المصلحة السياسية وفق رغبة الولايات المتحدة الأمريكية وشركائها العالميين والإقليميين.
ولو أردنا استعراض كل التحولات الفكرية والسياسية التي ظهرت في خطاب حكم الجولاني الليبرالي الغربي التوجه في سوريا، لاحتجنا إلى كتاب مفصل ووقت طويل غير أن هذه النماذج وحدها كافية لأي صاحب فكر وبصيرة وغيرة دينية ليدرك أن المسألة لم تعد مجرد خلاف في الاجتهاد السياسي، بل هي حديث عن تغيير في المنهج والمعيار.
عندما تُقدَّم مصلحة الدولة التي يرحب بها الكفار المحاربون المحتلون الأجانب على استقلال شريعة الله ووحدة الأمة، بينما يقول الله تعالى مثلاً:
– عن استقلال المؤمنين: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: ١٤١)
– وعن الدعوة إلى الوحدة: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٩٢)
– وعن فرض الجهاد ونصرة المستضعفين كأهل غزة وجنوب غرب سوريا وأهل مخيم الهول: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ (النساء: ٧٥)
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة” (البخاري ٢٤٤٢ – مسلم ٢٥٨٠).
هذا هو منهجنا الإسلامي. إضافة إلى ذلك، حين يكون الجهاد ضد الكفار المحاربين المحتلين الأجانب فرض عين، بينما يتحول الاحتلال الصهيوني بدلاً من أن يكون عدواناً يجب مواجهته إلى مجرد ملف أمني يُدار، فإننا نشهد إنتاج شريعة وتيار موازٍ للمنهج الإسلامي وشريعة الله، خاصة حين يقول الله تعالى مثلاً:
– ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (البقرة: ١٩٠)
– ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: ١٩٤)
– ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ (التوبة: ١٢)
– ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٩)
وعندما يصبح الوصول إلى تفاهمات أمنية مع المحتل وهو ما زال يحتل الأرض، خياراً سياسياً مشروعاً، بينما يأمر القرآن بالإعداد للقوة ويحذّر من الركون إلى الظالمين…
وعندما تُهمَّش مرجعية الوحي وتُقدَّم القرارات السياسية العلمانية والحسابات الفنية وتأمين أهداف ومصالح الأسياد الغربيين والصهاينة على حكم الله، بينما يقول القرآن:
– ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥)
– ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات: ١٥)
وعندما يصبح الركون إلى هيمنة الغرب الكافر المحارب أو التبعية لإرادة الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجية سياسية، بينما يقول الله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: ١٤١)
فأي خطاب هذا؟ وأي مرجعية هذه؟
فمن الواضح أن المسألة ليست مجرد خلاف سياسي، بل سؤال عن المرجعية: هل مرجعنا القرآن أم موازين القوى لصالح الغربيين والصهاينة الكفار المحاربين؟ هل نفهم النصوص الدينية وفق الوحي أم إننا نؤولها بما يتوافق مع الواقع السياسي الغربي؟
والأخطر من ذلك كله: أين العلماء؟ بينما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه” (ابن تيمية، مجموع الفتاوى ١٤/٤٧٩).
فإذا سكت العالم حين تُهمَّش أحكام القرآن، أو برّر كل تحول وانحراف باسم المصلحة والواقعية، فمن الذي سيحمي دين هذه الأمة؟
قد يدّعي البعض أن هذه الكلمات ليست إلا موقفاً سياسياً ضد الحكم الجديد في سوريا. فنقول: اتركوا الأشخاص وانظروا إلى الأصول. فما وافق القرآن قبلناه وما تعارض معه رددناه؛ كائناً من كان قائله.
فإن السكوت عن نسيان الأصول أخطر بكثير من السكوت عن أخطاء الأشخاص لأن الأشخاص يذهبون ويأتون، أما إذا زالت المعايير فإن الإسلام الكامل سيضيع تدريجياً في إدارة شؤون الحكم والحياة الاجتماعية بل والفردية للمسلمين وعندها يصبح القرآن تابعاً لسياسة أعداء قانون شريعة الله، بينما يجب أن يكون معيار كل الأمور الباطنة والظاهرة للمؤمنين هو القرآن وأن تكون الحياة والموت تبعاً له وهذا معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: ١٦٢).
الكاتب: أبو أنس الشامي (عبد الرحمن الدمشقي)




