من «الوصول إلى فلسطين» إلى الاختباء في القوقعة



من «الوصول إلى فلسطين» إلى الاختباء في القوقعة

 

 

قصف إسرائيل لقاعدة أبو الظهور العسكرية في إدلب ليس حادثاً معزولاً عن سياق يتكرر منذ مدة. فقد تجاوزت الضربات الإسرائيلية القنيطرة ودرعا، وامتدت إلى مناطق أخرى من سوريا، بينما تواصل دمشق التعامل مع هذه الاعتداءات بمنطق الصمت والتبرير والحسابات التي لا يبدو أن إسرائيل تجد فيها ما يردعها.

 

المفارقة الأكثر إيلاماً أن الذين كانوا يرفعون أصواتهم ضد بشار الأسد، ويقولون إن وجوده هو الذي يحول بينهم وبين فلسطين، وإنهم لو وصلوا إلى السلطة لأذاقوا إسرائيل الويل، أصبحوا اليوم في موقع المسؤولية.

 

فماذا تغيّر؟

 

لقد تغيّر موقعهم من المعارضة إلى الحكم، لكن إسرائيل لم تغيّر نظرتها إلى سوريا. بل على العكس، يبدو أن مساحة الحركة الإسرائيلية اتسعت، فيما ضاقت مساحة الرد السوري إلى حدود التبرير والصمت.

 

وليس المطلوب أن تدخل سوريا حرباً شاملة لا تملك شروطها، ولا أن تتخذ قرارات انتحارية. لكن بين الحرب الشاملة والاستسلام السياسي مساحة واسعة اسمها: الكرامة والسيادة.

 

فالدولة التي لا تستطيع حماية مجالها الجوي، ولا تردع الاعتداءات المتكررة على أرضها، ولا حتى تضع حدوداً واضحة لما تقبله وما ترفضه، سرعان ما تتحول في نظر الطرف الآخر من «شريك» إلى ساحة مفتوحة.

وهنا ينبغي أن يفهم حكام دمشق درساً بسيطاً:

 

إسرائيل لا تريد من سوريا أن تكون صديقة قوية؛ بل تريدها صديقة ضعيفة، مطمئنة إلى أنها لن تفكر يوماً في عصيان الإرادة الإسرائيلية والأمريكية.

 

يا لها من مفارقة تاريخية!

 

من كان يقول إن بشار الأسد يمنعنا من الوصول إلى فلسطين، يقف اليوم على رأس سلطة في دمشق، بينما تقصف إسرائيل سوريا وتقتل وتضرب وتتوغل، ثم تُستخرج لكل ضربة عشرات التبريرات السياسية.

 

لقد انتقل الخطاب من «سنصل إلى فلسطين» إلى «ليس من مصلحتنا الدخول في مواجهة مع إسرائيل».

 

ومن «سنرد على الاحتلال» إلى البحث عن ترتيبات أمنية ترضي الاحتلال.

 

ومن الحديث عن الكرامة والسيادة إلى محاولة إقناع الناس بأن الصمت هو عين الحكمة.

 

لكن المشكلة أن التنازل لا يشتري دائماً الأمن.

 

فالذي يعتاد على أن يُضرب ولا يرد، لا يحصل بالضرورة على صداقة خصمه؛ بل قد يحصل فقط على مزيد من الضربات.

 

وهكذا تبدو سوريا اليوم كسلحفاة عجوز أُحيطت بالوحوش من كل جانب: تمد رأسها قليلاً، فتتلقى الضربة، ثم تعيده سريعاً إلى قوقعتها، بينما يُطلب من الناس أن يصدقوا أن الاختباء هو «حكمة الدولة».

 

لقد تغيّر الحاكم، وتغيّرت الشعارات، وتغيّرت الوجوه.

 

لكن السؤال الذي لا يستطيع أحد الهروب منه هو:

 

إذا كان هذا هو ثمن «الاستقرار» الذي وُعد به السوريون، فماذا بقي من السيادة؟

 

الکاتب: عماد خفاجي

  • Related Posts

    الجولاني  فلن يكون مثل الأمويين بل ولا حتى مثل أبي جهل

    الجولاني  فلن يكون مثل الأمويين بل ولا حتى مثل أبي جهل     أحمد الشرع أظهر زوجته ممكيجة بلا نقاب ليشجع السوريين على التفلت و يعطي رسالة أن الحكومة لن…

    تطورات الحرب وأزمة الناتو والنظام العالمي الجديد (٢)  

    تطورات الحرب وأزمة الناتو والنظام العالمي الجديد (٢)   النظام العالمي القديم ينهار منذ حوالي عام ٢٠٢٤، حين دخلت الحرب مرحلة الاستنزاف، يجري صراع نشط لإعادة تشكيل النظام العالمي. فلم…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    الجولاني  فلن يكون مثل الأمويين بل ولا حتى مثل أبي جهل

    • من admin
    • أغسطس 20, 2026
    • 4 views
    الجولاني  فلن يكون مثل الأمويين بل ولا حتى مثل أبي جهل

    تطورات الحرب وأزمة الناتو والنظام العالمي الجديد (٢)  

    • من abuaamer
    • أغسطس 20, 2026
    • 4 views
    تطورات الحرب وأزمة الناتو والنظام العالمي الجديد (٢)   

    تطورات الحرب وأزمة الناتو والنظام العالمي الجديد (١)

    • من abuaamer
    • أغسطس 20, 2026
    • 4 views
    تطورات الحرب وأزمة الناتو والنظام العالمي الجديد (١)

    من «الوصول إلى فلسطين» إلى الاختباء في القوقعة

    • من admin
    • أغسطس 20, 2026
    • 4 views
    من «الوصول إلى فلسطين» إلى الاختباء في القوقعة

    سجون الجولاني وحدود: الداخل مفقود والخارج مولود والإجرام فيها بلا حدود

    • من admin
    • أغسطس 20, 2026
    • 4 views
    سجون الجولاني وحدود: الداخل مفقود والخارج مولود والإجرام فيها بلا حدود

    الجولاني هو العدو الرئيسي لأهل الدعوة والجهاد في سوريا وهو يخدم الكفار المحاربين المحتلين الأجانب

    الجولاني هو العدو الرئيسي لأهل الدعوة والجهاد في سوريا وهو يخدم الكفار المحاربين المحتلين الأجانب