اتفاقية مكة الثلاثية وتحالف الجولاني لمحاربة الإرهاب: إعادة إنتاج مشروع دار الندوة في الجبهة الأمريكية والصهيونية
كان كفار قريش العلمانيون يتخذون قراراتهم المهمة في برلمانهم ومركز قراراتهم السياسية والعسكرية والاقتصادية الذي سموه بدار الندوة بآلية ديمقراطية مباشرة لديهم وكذلك كان للكفار العلمانيين الآخرين تنظيمات مشابهة وفي المدينة أُطلق على برلمانهم اسم سقيفة بني ساعدة.
إن الاتفاقيات التي أُبرمت في دار الندوة ضد دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، رغم أنها كانت تُرفع باسم الشعب والدفاع عن الدين ومكانة الناس، إلا أنها كانت كلها ضد التوحيد والمؤمنين، مثل المعاهدة التي أدت إلى الحصار الاجتماعي والاقتصادي لشعب أبي طالب، أو إشعال حروب بدر وأحد والأحزاب.
وعلى هذا الأساس يمكننا القول إن المعاهدات التي تُبرم باسم مكة وبشعار الاستقرار والتكامل بين من يخدم الجبهة الأمريكية والصهيونية، إذا أدت عمليًا إلى إضعاف الأمة الإسلامية وإخماد المقاومة الإسلامية في وجه الكفار المحاربين والمحتلين وعبيدهم وتعزيز المحتلين، فإنها تذكّرنا بنفس دار الندوة التي كان رؤساء قريش يجتمعون فيها لكبح دعوة الإسلام وقمع كلمة الحق.
فإذا كان كفار العلمانية في دار الندوة يرسمون الخطط لمنع انتشار نور التوحيد، فإن أي معاهدة تظهر اليوم بمظهر سياسي وسلمي ولكن باطنها كبح الإسلام المستقل وخدمة مصالح الكفار المحاربين والعلمانيين، هي نفس المشروع القديم في ثوب جديد ولهذا نرى ترامب كلب الأمريكي الأصفر يهنئ الاتفاقية الثلاثية بين باكستان وآل سعود وتركيا ويعدّها أمرًا مهمًا.
ليس آل سعود وتركيا وباكستان وحدهم من الظالمين أمثال ترامب، بل كل من يعدّ نفسه مسلمًا ثم لا يعمل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ (هود/١١٣) فإنه يصبح واحدًا من هؤلاء الظالمين ويستحق عذاب النار بنفسه.
تكون هذه المسألة مهمة جدًا خاصة لجماعة الجولاني في سوريا التي أصبحت رسميًا جزءًا من التحالف لمحاربة الإرهاب تحت الراية الأمريكية وهو التحالف الذي ينتمي إليه أيضًا آل سعود وتركيا وباكستان.
الأصل عند المؤمنين هو قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة/٢). على أي أساس يكون التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية وشركائها؟ وعندما يُعرب ترامب عن رضاه بهذا التعاون، فعلى أي أساس يكون هذا التعاون؟ الإجابة ليست صعبة: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق/٣٧).
من الواضح أن أي معاهدة تكون نتيجتها التعاون مع المرتدين والمحتلين الكفار المحاربين وقمع المظلومين وأهل الدعوة والجهاد في المناطق الإسلامية هي تعاون على الإثم والعدوان.
يحق لنا، استنادًا إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن نقول للذين يرون في هذه التحالفات الأمريكية والصهيونية أناسًا مخدوعين وجاهلين لا يزال فيهم أمل الهداية والنجاة من هذا الظلم الظاهر: «انصُر أخاكَ ظالمًا أو مظلومًا»، قالوا: يا رسول الله، هذا ننصرُهُ مظلومًا فكيف ننصرُهُ ظالمًا؟ قال: «تمنعُهُ من الظُّلم، فذلكَ نصرٌ له» (الألباني، غاية المرام ٣٠٦).
ابحثوا بشفقة عن طريقٍ تخرجون به إخوانكم من ظلم التحالف الكبير تحت الراية الأمريكية وعبيدها ضد أهل الدعوة والجهاد، فهذا الظلم الكبير من نواقض الإسلام الظاهرة ويستهدف إيمان إخوانكم وآخرتهم.
بهذا المعنى يكون نصر الأخ الظالم منعه من الظلم، لا التواطؤ معه ولذلك فأي سياسة تساعد على تطبيع الظلم بدل نصرة المظلوم لا صلة لها بشريعة الله، وتُعد جزءًا من مشاريع الجاهلية.
ولا ننسَ أيضًا أن كفار العلمانية منذ أزمنة بعيدة خاصة منذ أن بيّن القرآن سوابقهم كما في قصة ملكة سبأ كانوا دائمًا يملكون تشكيلات ومعاهدات وغرف تفكير تتغير الأسماء فيها ولكن المنهج واحد ولا ينبغي أن يُظن أن التحالفات الجديدة مثل التحالف الأمريكي لمكافحة الإرهاب الذي أصبح أمثال الجولاني جزءًا رسميًا منه واتفاقية مكة الجديدة التي شكّل فيه بعض أعضاء التحالف الأمريكي تحالفًا أصغر لمواجهة أعداء الولايات المتحدة الأمريكية والغرب العلماني، أمرًا جديدًا.
يحاول بعضهم تلوين التحالفات الجديدة مع كفار العلمانية والمحتلين والمرتدين بصبغة إسلامية ويقارنها بمعاهدة الهدنة المؤقتة والمؤرخة في الحديبية، بينما كانت هدنة الحديبية المؤقتة نموذجًا للتمسك بالاستقلال والأصول والمبادئ الإسلامية والصبر، لا تسليمًا للكفر ولا اعترافًا بالاحتلال.
لذلك لا يمكن اعتبار كل اتفاق سياسي صلحًا إسلاميًا. المعيار هو النتيجة والاتجاه: هل يؤدي إلى حفظ استقلال الأمة وأصولها وعزتها، أم إلى إضعافها؟
الكاتب: أبو عمر الأردني




