التحول الاستراتيجي في الحرب الروسية-الأوكرانية وحرب الولايات المتحدة الأمريكية على إيران: من الدفاع المباشر إلى الضغط المنهجي على العمق والبنية التحتية (٢)
طوّرت أوكرانيا تكتيك كمين الصواريخ. تُنشر بطاريات باتريوت وSAMP/T سرًا قرب الجبهة وتبقى راداراتها في معظم الأوقات متوقفة وحين تدخل الطائرات الروسية منطقة إطلاق القنابل، يُفعَّل الرادار لبضع دقائق ويُنفَّذ الإطلاق، ثم تُغيَّر المواقع فورًا.
في الوقت نفسه تشتد هجمات الطائرات المسيرة بعيدة المدى ضد مطارات Su-٣٤/Su-٣٥، مستهدفة الطائرات المتوقفة أو في الحظائر أو قيد الإصلاح وتقوم المقاتلات الغربية F-١٦ وميراج ٢٠٠٠ بدوريات في مناطق الخطوط الأمامية، مما يجبر الطائرات الروسية على الحفاظ على مسافة وتنفيذ مهام قمع الدفاع الجوي.
ينمو إنتاج الطائرات المسيرة المحلية بما في ذلك طائرات FPV ذات الألياف البصرية الأقل عرضة للحرب الإلكترونية وتظهر مفاهيم جديدة: طائرة مسيرة «أم» تنقل طائرات كواد كوبتر أصغر إلى مطار، حيث تنتظر الإقلاع أو الهبوط.
النسخة الجديدة من الطائرة المسيرة «ليوتي» بمدى تقريبي ١٤٠٠ كيلومتر أصبحت قادرة الآن على حمل صواريخ موجهة والعمل ضمن مجموعات: الهيكل الرئيسي يهاجم الهدف بينما تبحث وحدة أو وحدتان متابعتان عن الرادارات التي تُفعَّل لصد الهجوم ويسمّي الخبراء هذا تحويل الطائرة المسيرة من كاميكازي بحت إلى صياد رادارات.
حدد القائد الأعلى للقوات المسلحة الأوكرانية أربعة أعمدة للاستراتيجية الجديدة: العمليات المتزامنة في عدة مجالات لتشتيت انتباه العدو تعزيز الدفاع للحفاظ على الخط الأمامي وزيادة الهجمات بعيدة ومتوسطة المدى ضد البنية التحتية والمستودعات الخلفية ومزيد من الاستقلالية العملياتية للوحدات البرية وفي الوقت نفسه يُحافظ على الضغط على المنشآت التي تدعم الاقتصاد العسكري.
الانتصار العسكري البحت لأي من الطرفين في المدى القريب غير مرجح والجبهة تتقدم ببطء مترًا مترًا وتصبح مرونة اللوجستيات ومعدل إنتاج الأسلحة وحالة البنية التحتية الحيوية وقدرة المجتمعات على تحمل الضغط الطويل الأمد، عوامل حاسمة.
يولي الخبراء اهتمامًا خاصًا بـالحرب المعرفية الروسية. هذه ليست دعاية كلاسيكية بل تأثير على طريقة التفكير: طمس الصورة العامة للواقع وتقويض الثقة في المؤسسات ووسائل الإعلام والقرارات الشخصية.
تشمل الأساليب إثارة الانقسام في المجتمعات الغربية وتكييف الروايات مع الحساسيات المحلية ودعم القوى السياسية المستقطبة والهدف ليس إجبار الناس على تصديق أكاذيب محددة، بل دفع الجمهور إلى حالة لا يعودون فيها قادرين على الثقة بأي شيء وتضطر أوكرانيا إلى تنفيذ العمليات العسكرية ومواجهة تأثير مثل هذه الروايات على الدعم الغربي في آن واحد.
بشكل عام، تحوّل هذا الصراع إلى حرب استنزاف والطرف الذي يدير تدفقات اللوجستيات والطاقة الإنتاجية والصمود النفسي بأفضل شكل هو الذي يحصل على التفوق.
غيّرت الابتكارات التكتيكية الأوكرانية أي الحصارات اللوجستية والهجمات الدقيقة والكمائن والغارات العميقة الديناميكية بشكل ملحوظ ونقلت جزءًا من عبء الحرب إلى الأراضي الروسية.
ومع ذلك تحتفظ روسيا بالقدرة على تنفيذ هجمات مختلطة والتكيف ولن يُحسم النتيجة بمعركة كبرى واحدة، بل بمن يستطيع الحفاظ على سرعة الإنتاج والإمداد والتعبئة العامة لأطول فترة ممكنة.
الكاتب: أبو عامر (خالد الحموي)




