نقد منهجي وتاريخي على فشل التيارات الإسلامية في سوريا والعالم العربي
يُطرح البعض سؤالاً: لماذا لم تنجح التيارات التي تحمل اسم الجهاد والشريعة في شبه الجزيرة العربية والكثير من الدول العربية رغم الجهود المستمرة على مدار القرن الذي مضى، في تحقيق انتصار حقيقي مستدام؟
يجب البحث عن الإجابة أولاً في الأخطاء المنهجية. اعتمد جزء كبير من هذه التيارات في تعاملها مع المجتمع المسلم على منهج خاطئ في معرفة المسلمين والعدو وترتيبه الشرعي، متأثرة بقراءة خاصة للمنهج النجدي المنسوب إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أي بمزيج أنتج منهجاً تحت اسم الدعوة النجدية التي تقوم على التشتيت والتحزب والخلافات الفقهية والمذهبية بين المسلمين بدلاً من استقطاب الأمة. في هذا الإطار، يُفصل المسلمون ظلماً عن بعضهم بعضاً ببعض التهم مثل المشرك والمرتد والقبوري والصوفي والضال والمضل وغيرها، ويُفصلون عن الجسد الإسلامي وحتى عن جسم المقاتلين ضد الاحتلال والعملاء ويُدفعون في حالات مثل الشيشان وغيرها نحو الكفار الأجانب والمرتدين.
تكشف نتيجة هذا النهج بوضوح. رأينا في السنوات القليلة الماضية في مناطق من سوريا والعراق كيف دُفع المسلمون عن غفلة أو عن عمد نحو جبهات علمانية محلية بدلاً من تشكيل صف مقاومة إسلامية موحدة ضد الكفار المحتلين الأجانب مثل أمريكا والصهاينة وهذه الجبهات تبعت وباعت نفسها لأمريكا والغرب والصهاينة.
تعدّ سوريا نموذجاً واضحاً لهذه الكارثة حيث رفع شعار الشريعة والجهاد ونصرة فلسطين فيها منذ سنوات ولكن ما كانت النهاية؟
نشأت حكومة علمانية وبقي فلول الجيش السابق ورُبطت بمشروع مكافحة الإرهاب الأمريكي واستمر الاحتلال والنفوذ الأمريكي والصهيوني. لم تكن هذه النتيجة صدفة؛ بل نتيجة مباشرة للانحراف المنهجي والصراعات الداخلية.
تكرر الخطأ نفسه في اليمن أرض الرجال الشجعان والمقاومين. انطلقت القاعدة يوماً باسم الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله، متأثرة بفكر سيد قطب رحمه الله ولكنها بعد استشهاد الشيخ أسامة بن لادن تقبله الله مثل القاعدة في سوريا تعرضت للحيرة والانحراف عن المسار.
سيطرت الرؤية الهجينة النجدية من بعض الشيوخ المعروفين الذين زكاهم الشيخ أيمن الظواهري رحمه الله، ثم دخلوا في الخلافات الدينية، فشغل هذا التيار أهل القبلة ببعضهم بعضاً وغفل عن أمريكا كرأس الأفعى، فخرج عن مساره الأساسي وتوقف سواء في اليمن أو في سوريا بل إننا لم نعد نشهد العمليات مثل 11 سبتمبر ونيروبي وغيرها في الدول الإسلامية وأوروبا والغرب، بل نشهد صراعات داخلية وتشكيل جبهات متعددة بين أهل القبلة بحجج مزيفة.
انكشفت نتيجة كل هذه التحركات بوضوح. رأينا جماعات بمناهج هجينة تنتمي إلى الدعوة النجدية تحت أسماء وأعلام مختلفة (داعش وتحرير الشام وغيرها من الجماعات والفصائل) حيث تكفّر بعضها بعضاً وتدمّر حتى وصل الميدان إلى أشخاص ذوي أدوار أمنية مشبوهة، فمهّدوا الطريق للعلمانيين التابعين. وصل هؤلاء العلمانيون بسهولة إلى السلطة وسخروا من الإسلام والجهاد والمجاهدين.
يجب هنا أن ندرك الداء. يتمثل المشكل الرئيسي في أن استبدال الحروب المذهبية الداخلية بالمواجهة مع العدو الحقيقي أي المحتلين الكفار والمحاربين الأجانب مثل أمريكا كرأس الأفعى والصهيونية لن يؤدي إلا إلى الهزيمة والإنهاك وتكرار الكارثة. يُعدّ التكفير غير المبرر المتبادل والإقصاء داخل الأمة وتكرار التجارب الفاشلة بالضبط ما يريده أعداء الإسلام.
يؤدي تجاهل الماضي إلى تكرار الأخطاء ذاتها مراراً. يجب أن نعلم أن انتصار الأمة لا يتحقق في التشتيت والتكفير غير المبرر وإخلال معرفة العدو وترتيبه الشرعي، بل يكون الانتصار في الوحدة الواعية وتمييز العدو الحقيقي والتركيز عليه وتصحيح المنهج الحركي والجهادي.
الكاتب: المولوی نور أحمد الفراهي




