الجولاني و قانون ترخيص المظاهرات، إبقاء البركان تحت السيطرة
أصدرت الحكومة السورية المؤقتة مؤخرًا قرارًا بترخيص المظاهرات، في محاولة – كما يبدو – لتنظيم الحراك الشعبي وضبط المجال العام.
إلا أن هذا القرار، بدل أن يرسّخ الانضباط، تحوّل سريعًا إلى مساحة واسعة من السخرية والنقد، لأنه جاء في توقيت خاطئ، وبآلية لا تراعي طبيعة الواقع السوري الراهن ولا المزاج الشعبي المتوتر.
فالشارع السوري، وإن بدا ساكنًا على السطح، إلا أنه يغلي تحت السطح بدرجة تهدد بالتحول إلى بركان كامل في أي لحظة. الضغوط الاقتصادية والمعيشية، ضعف المؤسسات، انعدام الأمان، وتراجع الثقة السياسية… كلها عوامل تتراكم فوق بعضها مثل طبقات من الحمم الساخنة في جوف الأرض، وتنتظر شرارة صغيرة حتى تندفع إلى السطح.
وفي حين يبدو السطح هادئًا نسبيًا، إلا أن هذا الهدوء ليس سوى قشرة رقيقة تخفي تحتها فعل الغليان الحقيقي.
وفي مثل هذا المناخ المحتقن، تأتي القرارات غير المدروسة كوقود إضافي يزيد حرارة المشهد.
فمن غير المنطقي – في الوعي الشعبي – أن تطلب الحكومة من الذي يريد التظاهر ضدها أن يقدم “طلب ترخيص” بذلك.
ولهذا بالمجمل لن يستجيب أي شخص أو جهة لذلك ، لأن الفكرة نفسها تتعارض مع طبيعة المرحلة ومزاج المجتمع. بل إن هذا النوع من القرارات يعطي انطباعًا بأن الحكومة لا تزال تتعامل مع مجتمع يعيش في حالة “دولة مستقرة”، بينما الواقع مختلف تمامًا.
خطورة القرار لا تأتي من فشله العملي فحسب إنما من أثره المباشر على شرعية الحكومة .
فالحكومة المؤقتة لا تمتلك عناصر قوة صلبة، لا جيشًا موحدًا قويًا، ولا موارد اقتصادية ضخمة، ولا جهازًا إداريًا متماسكًا ولا شبكة مؤسسات مستقرة .. القوة الوحيدة التي تملكها هي شرعيتها الشعبية.
وهذه الشرعية التي كانت يومًا ما رصيدها الأكبر، أخذت بالتراجع خلال العام الأخير بشكل متسارع، بفعل قرارات مرتبكة، وخطاب غير متماسك، انعدام الشفافية أحيانًا، وتشكل انطباع متزايد بأن صناعة القرار الحكومي منفصلة عن الواقع الحقيقي ومع كل قرار غير محسوب تزداد هذه الفجوة اتساعًا.
هذا النمط من الأداء الحكومي يعطي رسالة خطيرة مفادها أن الحكومة لا تعتمد على مؤسسات راسخة ولا على دراسات حقيقية، بل على ردود فعل لحظية وغير منضبطة. ومع مرور الوقت، تتآكل الثقة الشعبية تدريجيًا، ويزداد الغليان الداخلي، حتى تُصبح أي خطوة خاطئة ــ صغيرة كانت أم كبيرة ــ مادة قابلة للاشتعال.
وهنا تبرز أهمية قراءة الواقع السياسي والاجتماعي السوري بشكل صحيح:
الهدوء الظاهري ليس استقرارًا… والغليان الداخلي ليس صبرًا.
ومهمة الحكومة ليست التحكّم في الشارع، بل إدارة هذا الغليان بحكمة، وإبقاء حرارة البركان تحت مستويات الانفجار.
ولهذا فإن مقاربة “ترخيص المظاهرات” لم تكن خطوة مناسبة، لأنها لم تدرك حساسية اللحظة، ولا طبيعة الشارع، ولا حاجة الحكومة إلى تجميع الشرعية لا خسارتها.
وإدارة الاحتجاجات لا تكون بمنح الإذن للخروج، بل بخلق بيئة سياسية يشعر فيها الشعب السوري أن صوته مسموع، وأن الحكومة ليست فوقه بل معه.
من هنا، فإن الحل لا يكمن في إلغاء القرار فحسب، إنما في تبني بدائل مؤسساتية واقعية تخفف من الغليان، وتعيد الثقة، وتمنح الناس قناة محترمة للتعبير دون أن يشعروا بأن الحكومة تحاول تقييدهم. ومن أهم هذه البدائل:
١. إصدار ميثاق رسمي لحماية حرية التعبير
• تصدر الحكومة وثيقة رسمية تتعهد فيها باحترام الحق في الاحتجاج السلمي.
• هذا يعزز صورتها كحكومة شرعية منحازة للشارع .
٢. إنشاء “مكتب للتواصل المجتمعي”
• مهمته استقبال مطالب المتظاهرين، ويتابع قضاياهم، بدل أن يطلب منهم ترخيصًا للخروج في المظاهرات.
• يتحول المكتب إلى قناة مؤسسية تفك الضغط عن الشارع وتعيد الثقة بالحكومة .
٣. استبدال “الترخيص” بـ “مدونة سلوك للمظاهرات”
قواعد عامة تحافظ على السلمية ومسار الحشود دون إذن إداري مسبق..مثل :
• عدم حمل السلاح
• عدم الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة
• الالتزام بمسار محدد إن لزم
٤. إنشاء آلية ” إخطار غير إلزامي ”
• يُسمح للمنظمين إرسال إخطار إلى الشرطة المحلية لحماية المتظاهرين وليس الحصول على إذن .
• هذا معمول به في دول ذات حساسية سياسية مشابهة .
٥. فتح منصات استماع حكومية دورية
• لقاءات دورية – شهرية مثلًا – بين الحكومة و ممثلي المجتمع
• هذا يخفف الاحتقان وتمنع تراكم الغضب تحت السطح.
• يقلل الحاجة للتظاهر العشوائي ويجعل الاحتجاج جزءًا من الحوار السياسي .
٦. تدريب عناصر الأمن على إدارة الحشود
• التعامل المهني يحمي الدولة والشعب على حد سواء
• يعيد الهيبة بدل فرض السيطرة.
• يعزز الثقة ويمنع المواجهات .
٧. إصدار تقرير شهري عن حالة الحريات
• خطوة رمزية لكنها مهمة لإظهار الشفافية .
• تؤكد أن الحكومة لا تخشى النقد بل تتعامل معه بوعي مؤسسي .

ختامًا :
إن معالجة قضية المظاهرات لا تحتاج إلى “ترخيص” بل إلى إدارة رشيدة للمجال العام.
الحكومة السورية المؤقتة ستربح الكثير لو انتقلت من منطق السيطرة إلى منطق الشراكة مع الشارع، لأن الشرعية في سوريا اليوم هي رأس المال الوحيد الذي لا يمكن التفريط به.
فإن إبقاء البركان تحت السيطرة لا يتم عبر تضييق مساراته، بل عبر فتح منافذ آمنة له. والشارع السوري اليوم يحتاج إلى إدارة حكيمة، لا إلى إجراءات شكلية.
ومع كل توتر جديد، تصبح الشرعية الشعبية أهم من أي وقت مضى، وتصبح الأخطاء الصغيرة قادرة على إحداث انفجار كبير.
إن حكومة تفهم غضب الناس وتحتويه، أقوى من حكومة تحاول منعه.
والمسار الصحيح يبدأ من احترام صوت الشارع، والاعتراف بحساسية اللحظة، واعتماد سياسات تُخمد الغليان بدل أن تزيد سخونته.
هذا والله أعلم ..




