المهاجرون بعد انتهاء الحاجة إليهم ، بدأت السلطة السورية تصفية ملف حلفاء الأمس
من أوزبك إدلب إلى تعهدات واشنطن، هل بدأت السلطة السورية تصفية ملف حلفاء الأمس؟
تشهد مناطق في ريف إدلب حملة أمنية تستهدف مقاتلين أجانب، في مقدمتهم الأوزبك، وسط حديث عن مداهمات واعتقالات في كفريا والفوعة وكفرجالس، وإطلاق نار وتوترات ميدانية.
الروايات لا تزال متفاوتة في الأرقام والتفاصيل.
بعض المصادر تتحدث عن اعتقال عدد من الأوزبك، وأخرى تذهب إلى “العشرات”، بينما تقول روايات من داخل بيئة المهاجرين إن الحملة أوسع، وتمس كرامتهم وأمن عائلاتهم.
لذلك لم تعد القضية اعتقالات لعناصر متفرقة، ولا حادثة أمنية محدودة يمكن عزلها عن سياقها.
نحن أمام مشهد أوسع من المداهمات والضغط الأمني، واختبار لعلاقة السلطة الجديدة بمن قاتلوا معها، ثم رفضوا أن يتحولوا إلى جنود صامتين داخل مشروعها الجديد، المشروع الذي يصفه خصومها الجهاديون بأنه انحراف عن المنطلقات الأولى، وارتهان لمسار التحالف الدولي وواشنطن.
لا يمكن فصل ما يجري في إدلب عن علاقة أحمد الشرع بالولايات المتحدة.
فبعد لقاء الرياض مع ترامب، ظهر ملف المقاتلين الأجانب كأحد شروط القبول الدولي. لم يكن المطلوب أميركياً مجرد ضبط إداري، بل تسليم المطلوبين منهم لدولهم أو للتحالف الدولي ودفع البقية إلى مغادرة سوريا أو احتواؤهم داخل بنية الدولة الجديدة، بحيث لا يبقون كتلاً مستقلة تملك قرارها وشعارها وسلاحها.
لاحقاً قبلت واشنطن بصيغة أكثر مرونة، تقوم على دمج آلاف المقاتلين الأجانب في الجيش السوري، بشرط الشفافية والضبط.
وهذا يعني أن السلطة حصلت على هامش وقت، لا على تفويض مفتوح.
عليها أن تثبت أنها قادرة على إدارة ملف “المهاجرين”، وأن من يرفض الاندماج أو يعارض مسار التعامل مع أميركا والتحالف لن يبقى خارج يد الدولة.
في بداية سقوط النظام السابق، أحسن كثيرون من هذه البيئة الظن بالسلطة الجديدة.
قالوا إن المرحلة دقيقة، وإن الحكم له حساباته، وإن الرجل يحتاج وقتاً، وإن بعض التنازلات قد تكون اضطراراً سياسياً لا انقلاباً على الطريق.
وكلما ظهر وجه من وجوه التعامل مع المخابرات الدولية أو شروط الاعتراف الخارجي، عاد من يطلب التريث، ويمنح فرصة جديدة، ويبحث عن تأويل إضافي.
لكن تراكم الوقائع بدأ يضيق مساحة الترقيع.
من ملف الفرنسيين في حارم، إلى اعتقالات رموز أوزبكية، إلى حديث الأويغور والتركستان، إلى أعتقال عشرات العناصر من حراس الدين، إلى عشرات القتلى بضربات جوية دقيقة للتحالف الدولي بالتعاون مع السلطة السورية الحالية، ثم الحملة الحالية في إدلب، صار من الصعب على جمهور الشعار القديم أن يتعامل مع الأمر كحوادث منفصلة.
وفي السياق نفسه، تتداول حسابات قريبة من بيئة المهاجرين اتهامات بأن بين عناصر القوة التي اقتحمت كفريا والفوعة أشخاصاً كانوا ضمن بيئات معادية لهم سابقاً، وبعضهم يوصفون بأنهم من قسد أو من شبيحة النظام السابق ممن انتسبوا لاحقاً إلى الأمن العام في إطار التفاهمات الجديدة.
فالمهاجرون لا يرون في الحملة مجرد إجراء أمني، بل يقرؤونها كجزء من تحوّل أكبر، سلطة جديدة تستبدل حلفاء الخندق بأدوات الاعتراف، وتعيد ترتيب أعداء الأمس وحلفاء الأمس حسب مصلحة الدولة الجديدة.
هنا تأتي دلالة أزمة الأوزبك.
فالسلطة لا تتعامل معهم فقط كمجموعة مسلحة خالفت الأمن، بل كرسالة إلى بقية المهاجرين.
من يقبل أن يذوب في المؤسسة الجديدة، يُحتوى.
ومن يتمسك بالمنطلقات القديمة، ويرفض التحول من خطاب الجهاد والأمة إلى خطاب الدولة والاعتراف والتفاهم مع واشنطن، يصبح قابلاً للاعتقال أو الضغط أو التفكيك.
هذه هي لحظة انتهاء الحاجة.
المهاجر الذي كان يُقدَّم أمس كأخ في المعركة، صار اليوم عبئاً على صورة الدولة الجديدة.
والبندقية التي كانت مطلوبة في طريق إسقاط الأسد، لم تعد مقبولة إذا رفضت أن تُدار وفق شروط ترامب والتحالف الدولي.
والمهاجر يبقى حليفاً ما دام يتحرك في الاتجاه المطلوب، ثم يصبح ملفاً أمنياً عندما يرفض أن يتحول إلى رقم داخل مؤسسة تريد إثبات ولائها للنظام الدولي الجديد.
السؤال الآن لم يعد عن عدد المعتقلين وحده.
السؤال الأهم، هل بدأ زمن دفع الفاتورة الأمنية لتعهدات الاعتراف؟
وهل أصبح المهاجرون الذين قاتلوا لإسقاط الأسد من ضحايا الدولة التي قامت بعد سقوطه؟




