هكذا قُتلنا باسم الجهاد، معركة الفصل بين القاعدة وتنظيم الدولة في اليمن
من داخل الساحة نفسها… كيف يُضرب الجهاد باسم الجهاد؟
قراءة في كتاب “هكذا قُتلنا باسم الجهاد” عن صراع القاعدة وتنظيم الدولة في اليمن
في عام 1444هـ/2023، صدر كتاب هكذا قُتلنا باسم الجهاد لأبي عبيدة الحضرمي، أحد كوادر تنظيم القاعدة في جزيرة العرب باليمن، ضمن إنتاج مؤسسة كتائب الإيمان.
أهمية الكتاب لا تأتي من حياده، بل من موقعه. فهو نص مكتوب من داخل البيئة القاعدية، يكشف كيف قرأت القاعدة في اليمن صراعها مع تنظيم الدولة، وكيف حاولت رسم الفاصل بينها وبين خصم يشترك معها في اللغة الجهادية العامة، لكنه يختلف عنها، وفق رواية الكاتب، في المنهج والضوابط وحدود الدم.
العنوان وحده شديد الدلالة.
هكذا قُتلنا باسم الجهاد.
ليس المقصود تسجيل حادثة قتل فقط، بل فتح سؤال أعمق. كيف يمكن لشعار كبير مثل الجهاد أن يتحول، في لحظة غلو واضطراب، إلى غطاء لاستباحة من يفترض أنهم داخل الدائرة نفسها؟
في مقدمة الكتاب، يفصل الحضرمي بين الجهاد كفكرة شرعية في خطابه، وبين ما يصفه بانحراف الغلو والتكفير. فالمشكلة عنده ليست في رفع شعار “الدولة” أو “الخلافة”، بل في تحوّل الشعار إلى أداة لتنظيم يجعل بقاءه أكبر من الضوابط، والسيف أكبر من العلم، والجماعة أكبر من حرمة الدم.
وهنا يتجاوز الكتاب حدود الرد المباشر على داعش.
إنه محاولة لإعادة ترتيب الذاكرة الداخلية. ذاكرة تقول إن القاعدة في اليمن لم تكن، في رواية الكاتب، طرفاً يبحث عن اقتتال داخلي، بل جماعة حاولت تجنب الفتنة، وردّ النوازل إلى مشايخها وشرعييها، والتفريق بين السلاح المنضبط والسلاح الذي ينقلب على أهله.
في المقابل، يرسم الكتاب صورة قاسية لتنظيم الدولة (داعش).
يتحدث عن جرائم قامت بها داعش في اليمن، من بينها، قتل بلا تمييز، وذبح بلا رحمة، وتفجير للمساجد أثناء الصلاة، وعن تحويل الشريعة من سبب لحياة الناس وحفظهم إلى ذريعة لظلمهم وسفك دمائهم.
ولا يقف الاتهام عند العموميات.
فالكتاب يتحدث عن قيام داعش بتكفير المخالفين داخل البيئة الجهادية، وقطع رؤوس، والتمثيل بجثث، وإلزام زوجات مقاتلين بطلب الخلع بحجة ردة أزواجهن، ونهب الأموال باسم الغنائم. كما يورد رواية عن أسر ثلاثة عشر عنصراً من القاعدة كانوا في طريقهم إلى جبهة قتال، ثم رفض تنظيم الدولة إطلاقهم رغم وساطة قبلية.
في صفحات الكتاب، تحضر اليمن كساحة مركزية لهذا الصراع.
قيفة، البيضاء، المكلا، القبائل، المشايخ، الوساطات، المناظرات، الأسرى، والاتهامات المتبادلة، ليست مجرد أسماء وأحداث، بل مكونات ذاكرة يحاول الكاتب تثبيتها. ذاكرة تقول إن الجرح لم يأتِ من الخارج فقط، بل من طرف رفع الشعار ذاته، ثم وجّه السلاح إلى الداخل.
أكثر ما يلفت في الكتاب أنه لا يكتفي بالرد العسكري أو الاتهام السياسي.
بل ينزع الشرعية العلمية عن تنظيم الدولة.
يتحدث عن التسرع في التكفير، ورفض المناظرة، واستهداف المساجد، وتحويل شعار الخلافة إلى أداة تنظيمية، وقتل المخالفين داخل البيئة الجهادية. وفي المقابل، يرسم صورة القاعدة في اليمن كجماعة صاحبة تجربة وشيوخ وضوابط وتدرج، لا جماعة سيف منفلت من مرجعيته.
وهنا تكمن قيمة الكتاب البحثية.
ليس لأنه يمنح رواية نهائية للأحداث، بل لأنه يكشف عقل التنظيم حين يشرح نفسه، ويحدد حدوده، ويرسم الفاصل بينه وبين خصمه الأقرب في اللغة والأبعد في المنهج.
كيف تشرح القاعدة الفرق بينها وبين تنظيم الدولة؟
كيف تصوغ مظلوميتها؟
كيف تبرر قتال خصم جهادي آخر؟
وكيف تحاول أن تحفظ كلمة الجهاد من أن تختلط بممارسات الغلو والتكفير واستباحة الدماء؟
الصراع لا يدور دائماً على الجغرافيا وحدها.
أحياناً يدور على من يمثل المنهج.
من يملك حق الكلام باسم الشريعة.
من يضبط السلاح بالعلم.
ومن يستطيع أن يقول لجمهوره، نحن لسنا هم.
ولهذا فإن هكذا قُتلنا باسم الجهاد ليس كتاباً عن اقتتال قديم فقط، بل نص يكشف واحدة من أعمق معارك التيار الجهادي في اليمن، معركة الفصل بين القاعدة وتنظيم الدولة.
معركة فصل بين سلاح القاعدة في اليمن الذي يرى أصحابه أنه منضبط بمنهج، وسلاح تنظيم الدولة داعش الذي تحول، في رواية الكتاب، إلى خنجر في الظهر، ويشوّه الدين والجهاد معاً.




