حين يدفع أحمد الشرع سوريا إلى الحافة ثم يطلب من الناس السكوت كي لا تسقط
أخطر ما في تجربة أحمد الشرع أنه لم يكتفِ بالتنازل عن ماضيه، بل جعل سوريا كلها تدفع ثمن ذلك الماضي.
الرجل الذي كان خطابه القديم يجعل الصمود في وجه الضغوط “جهاداً” و“ثباتاً” و“ولاءً للشعار”، صار اليوم يتخلى عن ذلك الخطاب كي يثبت للخارج أنه لم يعد الجولاني.
فلا هو أبقى لجمهوره القديم معنى الطريق الذي ساروا فيه، ولا هو أراح سوريا من عبء تاريخه الشخصي.
والنتيجة أن سوريا صارت عالقة بين رجل يريد أن يثبت أنه تغيّر، وخارج يعرف كيف يبتز رجلاً مثقلاً بماضيه، وداخل يُطلب منه أن يصمت باسم الخوف من الكارثة.
كان أمام سوريا طريق أقل كلفة، واجهة مدنية، وشخصيات قادرة على مخاطبة الخارج من دون أن تضطر البلاد كلها إلى دفع فواتير إعادة تأهيلهم ليتناسبوا مع المعايير الدولية، ويبقى من يبقى في الظل أداة رقابة ثورية، ودولة عميقة.
فكلما بقي الشرع في الواجهة، احتاج إلى تنازل جديد.
وكلما حضر اسم الجولاني في ذاكرة الخارج، احتاج إلى إشارة طمأنة أكبر.
وكلما ذُكّر بماضي الهيئة، بحث عن صورة تقول إنه صار مختلفاً.
وهكذا تتحول الدولة من مشروع إنقاذ وطن إلى مختبر لإعادة تأهيل رجل واحد.
فالجنوب يدفع.
المجتمع يدفع.
الهوية تدفع.
الذاكرة تدفع.
سوريا كلها تدفع.
وكل ذلك كي يقال للخارج إن الجولاني صار رئيساً صالحاً للاستخدام.
وهنا تظهر المفارقة القاسية، أن سوريا تدفع من جنوبها وسيادتها وذاكرتها ثمن إعادة تأهيل رجل لا يُطلب منه أن يحميها بقدر ما يُطلب منه أن يضبطها لمصلحة من يبتزها.
هنا يأتي الخطر الإسرائيلي بوصفه جزءاً من معادلة السلطة في الداخل.
إسرائيل تمددت في الفراغ السوري، وخطاب السلطة يقول للناس، اسكتوا، وإلا سوف تتمدد إسرائيل أكثر!!
هذه هي صيغة التغريق السياسي.
تُضعف الداخل أولاً، ثم تستخدم ضعفه حجةً لقمعه.
تحتكر القرار، ثم تقول إن الاعتراض فتنة تهدد الدولة.
تفتح الذرائع، ثم تحذّر الناس من نتائج الذرائع.
تضع سوريا على حافة الابتزاز، ثم تطلب من السوريين أن يشكروك لأنك تمنع السقوط.
لذلك، عبارة مثل “إذا ذهب الشرع ستدخل إسرائيل إلى دمشق” خطيرة في وظيفتها السياسية.
فهي لا تسأل السؤال الأهم.
هل يحمي الشرع سوريا أصلاً من إسرائيل؟! أم أنه وطريقته في الحكم كانت من الذرائع الكبرى التي فتحت الباب أمام الابتزاز الإسرائيلي؟
وإذا قرر الشرع اليوم قتال إسرائيل، هل يملك القوة والمال والشرعية الوطنية والقدرة على المناورة كي يفعل ذلك؟ سيقال فوراً إنه لا يملك هذه القدرة، وإن سوريا منهكة، وإن ميزان القوة لا يسمح.
حسناً، إذا كان ضعيفاً إلى هذا الحد، فلماذا تدفع سوريا كلها ثمن تأهيله وبقائه؟
لماذا يُطلب من المجتمع أن يصمت، فقط لكي يغسل رجل واحد ماضيه الثقيل أمام الخارج؟
المشكلة ليست في أن الشرع ضعيف فقط.
المشكلة أنه ضعيف ومثقل بماضيه في نظر المجتمع الدولي، والمصيبة الكبرى أنه يلهث خلف قبول هذا المجتمع له.
وهذه التركيبة هي تركيبة مثالية للإبتزاز، سهلة الإستغلال، فيها طرف واحد يدفع ويتنازل وينفذ كل ما يُطلب منه.
لماذا لا تأتي واجهة سورية لا تحتاج البلاد إلى دفع كل هذه الأثمان من أجلها؟ لماذا تُعلَّق الدولة كلها بمصير رجل واحد يعترف الجميع تقريباً بأنه لا يملك قوة وقدرة استثنائية، ولا ميزة وطنية حتى، تجعله بديلاً لا غنى عنه عن أي شخصية سورية مدنية أخرى؟
فقه المآلات لا يعني تسليم رقبة المجتمع لمن صنع المأزق. فقه المآلات الحقيقي يسأل عن نتائج الفعل كله، لا عن نتائج الاعتراض فقط.
يسأل عن كلفة الاستفراد.
عن كلفة تحويل الدولة إلى شبكة ولاء.
عن كلفة إقصاء الواجهة المدنية.
عن كلفة تقديم الطمأنة للخارج.
الخطر ليس في إدراك التهديد الإسرائيلي. الخطر أن يصبح التهديد الإسرائيلي مصدر تخويف للناس، ودرعاً سياسياً يحتمي خلفه النظام من المحاسبة.
كلما سُئل عن الاستفراد حضرت إسرائيل. كلما سُئل عن التنازلات حضرت إسرائيل. كلما سُئل عن العدالة أو السجون أو الجنوب أو شكل الدولة، قيل للناس، هل تريدون أن تدخل إسرائيل دمشق؟
هكذا تتحول إسرائيل، إلى الفزاعة الضرورية لبقاء السلطة.
تضغط من الخارج، فيشد هو قبضته في الداخل. تخيف السوريين، فيقدم نفسه بوصفه الحاجز الأخير.
إعداد: الدكتور متولي عبد المنعم المنياوي




