الجاهلية الثانية، مشروع الشيطان، من يملك حق تعريف الإنسان؟ الله أم الشيطان !؟
كيف يُريد الشيطان احتلال مركزية الوحي عبر الذكاء الصناعي و يعيد تشكيل الإنسان في العصر الرقمي؟
منذ بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم و التقاء الارض بالسماء
لم يهدأ الشيطان و أواياءه من البحث عن كيفية إزالة الوحي كمرجع يعيد تعريف الانسان بالعبودية لله و يعيد تشكل الواقع وفق معلوميته
فكانت الفرق الضالة و الامبراطوريات الثانية ثم الدولة الحديثة و اليوم ما يسمى بالمجتمعات و الكيانات الرقمية او الجمهورية التقنية
تاريخيا لم تكن الإمبراطوريات القديمة تقوم على الاحتلال العسكري وحده، بل كانت تؤسس هيمنتها عبر احتكار المعنى والشرعية معًا. فالقوة لم تكن مجرد أداة حكم،
وإنما مرجعية تُعيد تعريف الإنسان وموقعه في الوجود. كان الإنسان يُختزل في كونه تابعًا للإمبراطور، أو للسلالة، أو للطبقة الحاكمة، أو للمركز المقدّس الذي يمنح الشرعية للنظام القائم.
ولذلك كان الاستعباد أساسا لبنية حضارية متكاملة تُخضع الإنسان بالقوة المباشرة، وبالتراتبية الصلبة، وبالاحتكار المطلق للحقيقة.
ثم جاءت الحداثة الغربية حاملة خطابًا مختلفًا ظاهريًا.
فقد رفعت شعارات تحرير الإنسان، وإعلاء العقل، وجعل الإنسان مركز المعرفة والكون.
بدا الأمر وكأنه انتقال من عصر الهيمنة إلى عصر الحرية، ومن سلطان القوة إلى سلطان العقل. غير أن التحول الحقيقي لم يكن تحرير الإنسان من السيطرة، بل إعادة تشكيل السيطرة في صورة أكثر تعقيدًا وتجريدًا.
فالدولة الحديثة لم تُلغِ الهيمنة، وإنما أعادت إنتاجها ضمن منظومة مؤسساتية شاملة. فقد احتكرت تعريف الحقيقة عبر أنظمتها التعليمية والإعلامية، واحتكرت تعريف الشرعية عبر القانون الوضعي، واحتكرت الثروة من خلال النظام المالي، واحتكرت العنف عبر الدولة المركزية وأجهزتها الأمنية.
ثم أعادت تشكيل الهوية والوعي والسلوك بما يضمن استقرار المنظومة واستمرارها.
وهكذا أصبح الإنسان يظن أنه السيد وصاحب القرار، بينما هو في الواقع محكوم ببنى ضخمة لا يراها، ومُدار عبر مؤسسات تُنتج الإدراك ذاته الذي يفكر من خلاله.
وصار الناس عبيدا بأغلال لا يرونها
لقد كان جوهر الحداثة يتمثل في نقل المرجعية من الوحي إلى العقل الإنساني المؤسسي، بحيث أصبحت الدولة الحديثة هي الوسيط الذي يحدد الحقيقة والمعنى والشرعية باسم العقل والتقدم.
■ غير أن المرحلة الراهنة تمثل تحولًا أعمق وأكثر خطورة. فما نشهده اليوم لا يقتصر على صعود أدوات تقنية جديدة، بل يتعلق بمحاولة نقل المرجعية ذاتها من “العقل الإنساني” إلى “ سيادة الخوارزميات”.
وهنا تتكشف نقلة الاستعباد الأخطر في تاريخ الحداثة.
فالإنسان في عصر الدولة الحديثة كان يُطلب منه أن يُسلّم فهمه وتشريعه وتصوراته لعقل الدولة وخبرائها ونخبها.
أما اليوم، فيُطلب منه أن يُسلّم قراراته وسلوكه ومعرفته وتفاعلاته، بل وحتى تصوّراته عن الحقيقة، لأنظمة خوارزمية معقدة لا يفهم آلياتها أصلًا.
و يجرى الان تقديم هذا التحول تحت عناوين براقة مثل: الذكاء الاصطناعي، العالم المستقبل و المحتمعات الرقمية الحرة ..
.
لكن خلف هذه العناوين يتشكل نمط جديد من الهيمنة؛ نمط ينتقل فيه الإنسان من
● الخضوع للدولة إلى الخضوع لإرادة حفنة من البشر يملكون التقنية ،
● ومن الخضوع للنظام السياسي إلى الخضوع للنظام الخوارزمي، و عبودية النظام الى عبودية الآلة
● و من قيمة الانسان الى تشييى الانسان نفسه
■ في كل مرحلة من هذه المراحل كان الشيطان وحزبه يعمل على إعادة تعريف الإنسان والحقيقة والحرية والمعرفة، بطريقة تقطع الصلة بينه و بين الله
يقطع الطريق امام الانسان ليرجع الوحي مرة أخرى بوصفه مرجعية متجاوزة للسلطة البشرية.
○ فالإمبراطوريات القديمة أعادت تعريف الإنسان بعيدًا عن هويته الربانية،
○ والدولة الحديثة أعادت تعريفه بوصفه كائنًا ماديًا عقلانيًا داخل آلة الدولة،
○ أما المنصات التقنية فتتجه اليوم إلى تشييئه و تعريفه باعتباره مجرد بيانات، وسلوكًا قابلًا للتنبؤ، ونمطًا يمكن تعديله وتحسينه وإدارته خوارزميًا.
ومن هنا فإن جوهر الصراع المعاصر لا يقتصر على الاقتصاد أو النفوذ أو التكنولوجيا، بل يتمحور حول سؤال أعمق: من يملك حق تعريف الإنسان؟
الله أم الشيطان !؟
هذه هي القضية الجوهرية وهي ليست مسألة رفض التقنية بذاتها، ولا العداء للتطور العلمي، وإنما رفض تحويل التقنية صنما يعبد الشيطان من خلالها
ولا مرجعية فوق الوحي، بحيث تصبح الخوارزمية هي الحاكم النهائي للإدراك والمعنى والسلوك.
إن التحدي الحقيقي في العصر الرقمي ليس كيف نستخدم التقنية، بل كيف نمنع تحوّلها إلى صنم يعبد الشيطان من خلاله
و كيف نبقي الناس عباد للرحمن
فلا يتحولوا عبيدا للشيطان وعبدة للطاغوت .




