إذا أردنا الحديث عن تجربة الجزائر في ميادين الدعوة والجهاد ولم نرد التطرق إلى دور أبي قتادة الفلسطيني المقيم في الأردن وما أحدثه من تخريب هناك لتفكيك التيارات الجهادية وخدمة الكفار الغربيين خاصة الكفار المحاربين الفرنسيين والمرتدين وكيف تحول في سوريا إلى بوق لعصابة الجولاني المرتدة حيث يصف معارضي الجولاني والأمريكيين والصهاينة بالخوارج، فإننا نغفل جزءاً مهماً من هذه المؤامرة والكارثة.
يقول الشيخ عطية الله الليبي رحمه الله: في عام 1991 فازت «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» في انتخابات الجزائر بنسبة 82% من الأصوات ولكن الجيش قام بانقلاب على هذه النتائج. وفي عام 1992 بدأت الاشتباكات المسلحة بين الجماعات الإسلامية والجيش وكان المجاهدون يتمتعون بتأييد الأغلبية الساحقة من الشعب المسلم الجزائري. وبين عامي 1992 و1994 توحد المجاهدون تحت راية «الجماعة الإسلامية المسلحة» في أكثر تجربة جهادية معاصرة نجاحاً وسيطروا على مناطق واسعة من الجزائر. كان المنهج الجهادي آنذاك منهج الإخوان المسلمين لسيد قطب رحمه الله.
هذا يعني جرس إنذار للكفار المحاربين والمرتدين. إذن جرت محاولات على محورين:
1. الجانب النظري والدعائي والنفسي: فهم أدخلوا عملاءهم لبث الفرقة والاقتتال بين المجاهدين.
2. الجانب القيادي: نجحوا في صناعة أمثال الجولاني في الجزائر داخل الجماعات الجهادية.
وبناءً على ذلك، تولى جمال زيتوني المعروف بـأبي عبد الرحمن أمين وهو شخص إجرامي جاهل بأصول فقه أهل السنة والجماعة، قيادة «الجماعة الإسلامية المسلحة» عام 1994. وظل حتى عام 1995 يسير على المنهج الجهادي لسيد قطب رحمه الله، إلى أن بدأت جرائمه وانحرافاته وغلواؤه تظهر عام 1996 مستنداً إلى فتاوى أمثال أبي قتادة الفلسطيني.
هنا بدأ التفرق وتمزق الجماعة الإسلامية المسلحة وكان جمال زيتوني يكفر كل من خرج عن الجماعة ويشن الحرب عليه ورغم أن المجاهدين تمكنوا من قتله، إلا أن «عنتر زوابري» خلفه وكان أكثر إجراماً. فتفكير أمثال أبي قتادة الفلسطيني الذي كان في لندن آنذاك لا ينتج إلا مثل هذه الكائنات المدمرة التي أفضت كل أنشطتها في النهاية إلى خدمة الكفار المحاربين وأعضاء الناتو ولم يكن الناتو وخاصة فرنسا يريد شخصاً مثل الجولاني ليحكم، بل دعم فقط أمثال الجولاني المدمرين لكي ينهوا التيار الجهادي ويقيموا حكم عميلا علمانيا في الجزائر.
ومن المثير للاهتمام أنه بناءً على فتوى أبي قتادة الفلسطيني، عندما أُجريت انتخابات جديدة في الجزائر عام 1997، كفرت الجماعة الإسلامية المسلحة المدن والمحافظات بسبب المشاركة في الانتخابات وارتكبت مذابح بشعة بحق المدنيين شملت قتل النساء والأطفال وقتل النساء والأطفال مذكور صراحة في فتوى أبي قتادة الفلسطيني الذي لم يتب من هذا الجرم الفاضح حتى الآن. هذا يعني التخلي عن المنهج الجهادي للإخوان المسلمين القائم على أفكار سيد قطب رحمه الله وتسلط فكر المفتين المأجورين المقيمين في دار الكفر الأصلية والطارئة.
وبسبب هذه الجرائم المروعة عام 1997، نفر الشعب من المجاهدين ولجأ إلى الحكومة للنجاة من جماعة زوابري وبعد ذلك كان كل من يحمل لحية يُسلَّم إلى جيش الحكم العلماني أي أن الكفار نجحوا في نزع الماء من السمكة حتى تختنق تدريجياً. فالشعب بالنسبة للمجاهدين كالماء بالنسبة للسمكة.
هذه التجربة التي شاهدناها في العراق وشيشان وسوريا والصومال ومالي واليمن وغيرها، تحمل ثمرة واحدة ونتيجة واحدة في كل أرض إسلامية.
كما أن الشيخ أبو مصعب السوري رحمه الله الذي له تاريخ واضح في الانتماء إلى الإخوان المسلمين في سوريا والجماعات الجهادية الإخوانية مثل «الطليعة المقاتلة» في السبعينيات ومسيرة مشرقة في الثمانينيات مع الإخوان السوريين ولقاء الدكتور عبد الله عزام والشيخ أسامة بن لادن رحمهما الله في بيشاور بباكستان وجهاد أفغانستان أشار في كتابه «مختصر شهادتي على الجهاد في الجزائر 1988-1996» إلى نقاط مهمة وانحرافات واضحة واعتبر أبا قتادة الفلسطيني أحد أهم أسباب هذه الانحرافات وقتل النساء والأطفال والشباب المسلمين في الجزائر ولكنه للأسف لم يشر إلى المخطط الخارجي وجذور كل هذه الانحرافات التي أحدثها هؤلاء المفتون والقادة الجهاديون المأجورون.
إذا كان أمثال أبي قتادة الفلسطيني والجولاني في الجزائر قد استطاعوا إلحاق جروح عميقة لا تندمل في الجزائر لمهد مقاومة الاستعمار وحولوها إلى مذبح لأبنائها حتى قبلت بحكم المرتدين العلمانيين والاستعمار الجديد، فانظروا ماذا فعل أمثال أبي قتادة الفلسطيني وعطون وشاشو عبر الجولاني بسوريا وأهلها؟
الكاتب: أبو أسامة الشامي





