الجولاني و عدالة انتقائية و ضياع حقوق المظلومين، وترك المجرمين دون عقاب و قبض ملايين الدولارات ثمنا لدماء الشهداء
نواجه اليوم تحديات مصيرية، وأبرزها ملف العدالة الانتقالية، فهو العمود الفقري لبناء أي مجتمع مستقر، وخال من أحقاد الماضي، إلا أن الواقع الحالي يشير إلى انتكاسة كبرى في هذا الملف حيث نرى أن دماء الشهداء، وعذابات المعتقلين، قد تم التضحية بها على مذابح التسويات السياسية والمصالح الضيقة ، ويبرز هنا اسم الجولاني كشخصية محورية تتحمل المسؤولية المباشرة عن ضياع حقوق المظلومين، وترك المجرمين دون عقاب، بل فعل الجولاني أكثر من ذلك، حيث قبض ملايين الدولارات ثمنا لدماء الشهداء.
1. مفازة بين الشعارات والواقع:
بينما كان الشعب السوري ينتظر محاكمات عادلة تقتص من رموز العهد البائد، وتؤسس لدولة القانون، جرى الالتفاف على هذه المطالب، من خلال تجميد القوانين الصارمة، والاستعاضة عنها بخطوات هشة، ومسودات قوانين معطلة، بحجة عدم اكتمال المؤسسات التشريعية، أو انشغال البلاد بدمج الدروز وقسد، وهذا التعطيل المتعمد فتح الباب واسعا للتساؤل الجوهري: هل تغاضى الشرع عن العدالة الانتقالية من أجل صياغة عقد اجتماعي جديد يناسب الغرب أم أنه أضاع حقوق المظلومين ليكسب رضا مشغليه، ويحافظ على الكرسي؟
2. المؤشرات والتبريرات:
المؤشرات على الأرض تدعم الفرضية الثانية بقوة، حيث يظهر المشهد العام وكأن هناك صفقة غير معلنة جرى بموجبها العفو غير المباشر عن قادة عسكريين وأمنيين، تورطوا في جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية ، والقول بأن الحفاظ على السلم الأهلي يتطلب التغاضي عن المحاسبة هو منطق معكوس، يشرعن الجريمة، ويهدر تضحيات مئات الآلاف من الضحايا، الذين خاضوا ثورة كاملة، من أجل كرامتهم وحريتهم، وإن إطلاق سراح المجرمين أو التغاضي عن ملاحقتهم، لا يبني سلما أهليا مستداما، بل يزرع بذور حرب أهلية قادمة قائمة على الثأر، وغياب الثقة في سلطة الأمر الواقع.
3. العدل أساس الملك والسلم:
يتضح من مجريات المحاكمات الحالية، وتأخر صدور قانون العدالة الانتقالية، أن هناك رغبة في صياغة مشهد سياسي يناسب القوى الخارجية الداعمة، حيث تم تحويل القضاء إلى أداة توازنات بدلا من أن يكون ساحة للحق والعدل والإنصاف، وبهذا السلوك يكون الجولاني قد خان تطلعات الأحياء الذين لا يزالون يعانون من آثار التعذيب والاختفاء القسري، وخان إرث الشهداء الذين قدموا أرواحهم من أجل إسقاط منظومة الظلم كلها، وليس من أجل استبدال وجوه بوجوه أخرى تمارس الالتفاف على القانون، وتضيع الحقوق تحت مسميات براقة مثل المصلحة الوطنية أو متطلبات المرحلة الانتقالية.
4. ولكم في القصاص حياة:
القصاص حياة، وعكسه صحيح، فترك القصاص فتنة، وحرب أهلية، وضياع للأمن، وإضعاف لقوة البلد، والتهاون في تطبيق القصاص العادل يبعث برسالة خطيرة مفادها أن المجرم يمكنه النجاة بفعلته إذا ما تغيرت موازين القوى السياسية، وهذه طعنة في خاصرة الثورة التي قامت أصلا لإرساء قيم العدل والمساواة، ومحاولة القفز فوق جراح الضحايا من أجل إرضاء الأطراف الدولية لن تؤدي إلا إلى تعميق الشرخ بالمجتمع، وجعل الاستقرار الهش مهددا بالانهيار في أي لحظة، لأن العدالة الحقيقية هي الضامن الوحيد لعدم تكرار مآسي الماضي، وبدونها يبقى السلم الأهلي شعارات لا قيمة لها في نفوس المظلومين.




