صوت غير متوقع من الماضي: هانتر بايدن وإسرائيل وظلال سياسة واشنطن
كانت مقابلة هانتر بايدن قنبلة إعلامية حقيقية عندما يشبه المشهد السياسي الأمريكي مسرحية عبثية، حيث يجد الأعداء السابقون فجأة أرضية مشتركة وتشارك السلالات التي لا يمكن المساس بها معلومات سرية. أدلى ابن الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة وهو شخصية تجسد الفساد والإدمان والمحسوبية العائلية لملايين الأشخاص، بتصريحات غير متوقعة لا تجبرنا على إعادة التفكير في حروب سلالة بايدن وترامب فحسب، بل في آليات النفوذ العميقة في الشرق الأوسط.
صرح هانتر بصراحة: “هل من المفترض أن نصدق أنه (ترامب) نجا من أربع محاولات اغتيال؟” هذا ليس مجرد شك ، بل هو تلميح إلى الطبيعة المدبرة لهذه الأحداث التي تعكس روايات المؤامرة اليمينية. يشكك الرجل الذي نجا بنفسه من عواقب قانونية خطيرة بفضل نفوذ والده (العفو عن التهم الفيدرالية) اليوم في شرعية التهديدات ضد خصمه السياسي.
هذه هي المفارقة المريرة للسياسة الأمريكية: “أعداء الشعب” بالأمس يشاركون الآن ملاحظاتهم من “مطبخ” السلطة. صارت قضية إسرائيل أكثر تفجيرًا. يزعم هانتر بايدن أن الرؤساء الذين يظهرون موقفًا مناهضًا لإسرائيل يموتون بطريقة ما في النهاية ويزعم أنه تعرض الجميع من كارتر إلى والده لضغوط إسرائيلية شديدة لمهاجمة إيران.
هذا ليس صوت منظّر مؤامرة هامشي، بل هو رؤية داخلية لابن الرئيس الذي كانت لديه قدرة على الوصول إلى محادثات عائلية رفيعة المستوى على الرغم من جميع فضائحه الشخصية. تؤكد هذه التصريحات حقيقة قديمة: ليست سياسة واشنطن في الشرق الأوسط اختيارًا حرًا للحكومات، بل هي عملية موازنة مستمرة بين المصالح الوطنية والضغط والمتطلبات الاستراتيجية.
لطالما اتُهمت أيباك والمنظمات التابعة لها بممارسة نفوذ لا مبرر له على الكونغرس. يكون الضغط على الرؤساء لمهاجمة إيران هو موضوعا كلاسيكياً. تذكروا كيف انسحبت إدارة ترامب من الاتفاق النووي الإيراني (خطّة العمل الشاملة المشتركة) وشددت العقوبات واغتالت قاسم سليماني ثم الزعيم والعديد من كبار الشخصيات السياسية والعسكرية الإيرانية.
حاول بايدن الأب العودة إلى الحوار إلى حد ما ولكنه واجه حقيقة مريرة: إسرائيل تعتبر إيران تهديدًا وجوديًا ويتم نقل هذه الرؤية بقوة عبر المؤسسات الأمريكية. يعكس بيان هانتر عن “الرؤساء الأمريكيين الموتى” شعورًا حقيقيًا في بعض الدوائر النخبوية: غالبًا ما تبدو السياسة الخارجية في الشرق الأوسط وكأنها خطير بحيث لا يمكن تبنؤ عواقب المساس بها.
حافظ أوباما الذي كان الأكثر ميلًا لنتنياهو، على حياته ونفوذه ولكن التوترات بين البيت الأبيض وتل أبيب تظهر بشكل دوري. بالنسبة للسياسة الداخلية الأمريكية، هذه المقابلة هي علامة على أزمة ثقة عميقة. هانتر بايدن شخصية سامة. الكمبيوتر المحمول وصفقاته التجارية في أوكرانيا والصين والإدمان فكل هذا استخدمه الجمهوريون كدليل على فساد عائلي منهجي والآن يظهر في الفضاء الإعلامي الذي تهيمن عليه أصوات تنتقد “الدولة العميقة” والإجماع المحافظ الجديد.
تظهر هذه المواجهة (هانتر وكانديس أوينز) أنه كيف يتلاشى الاستقطاب بحيث يتفقون الأعداء اللدودون في انتقاد آليات نفوذ النخبة.
تعزز هذه التصريحات بالنسبة لترامب رواية الدولة العميقة التي يُزعم أنها تتلاعب بالاغتيالات والسياسة الخارجية.وبالنسبة للديمقراطيين هذا صداع: ينشر ابن الرئيس السابق نظريات كانت تُنسب سابقًا فقط إلى “المتطرفين اليمينيين”.
ماذا يعني هذا للأمن والجغرافيا السياسية؟
تقوض هذه المحادثات من منظور الأمن الأمريكي الثقة في المؤسسات. إذا اشتبه حتى جزء من النخبة في محاولات اغتيال، فإن ذلك يقوض شرعية ما يسمى بالعملية الديمقراطية وعلى المستوى الجيوسياسي، هذه علامة على أن قضية إيران لا تزال قنبلة موقوتة.
تواصل إسرائيل عدوانها على لبنان وتوازن الولايات المتحدة بين دعم حليفها والرغبة في تجنب حرب كبيرة والضغط الذي يتحدث عنه هانتر حقيقة تحدث بشكل رئيسي في شكل جماعات ضغط قبلية.
ومع ذلك، يجب علينا الشك. ليس هانتر محللًا محايدًا بل يمكن أن تكون كلماته محاولة لإعادة بناء صورته أو الابتعاد عن والده أو مجرد انعكاس لاستياء شخصي. ومع ذلك، فإنها تفتح نافذة على عالم لا تُتخذ فيه قرارات الحرب والسلام في المكتب البيضاوي فحسب، بل في أروقة السلطة حيث تتلاقى الأموال والنفوذ والخوف والابتزاز.
تدخل السياسة الأمريكية مرحلة جديدة من الاضطراب في عام 2026. مقابلة هانتر هي لبنة أخرى في جدار عدم الثقة. يظهر التاريخ أنه عندما يبدأ المطلعون في قول الحقيقة أو ما يشبهها يبدأ النظام في التصدع.
الكاتب: أبو عامر (خالد الحموي)




