الجولاني و سلطته في إدلب و دمشق
هذا مقال تحليل للأشياء التي اعتمد عليها الجولاني في تفكيك منافسيه من الفصائل والقادة.
1. التغلغل التدريجي:
وصل الجولاني إلى حكم إدلب بالتشارك، ثم بغى على مشاركيه وتفرد بالحكم، واعتمد على استغلال الخلافات بين الفصائل واختراقها، والسيطرة المتدرجة عليها وتبريرها، وهو يردد تطبيق شريعة الله، حتى فكك 23 فصيلا، فأضعف قوتها، وأزاحها عن الواجهة، واحدة بعد الاخرى، مع السيطرة على الحكم والمعابر مما أتاح له إنشاء كيان مالي وأمني مغلق، وحصار مطبق على الشعب لخلق جيل مغيب مغسول الدماغ تابع له.
2. استغلال الفقر وشراء الذمم:
استغل الجولاني المأساة المعيشية والاجتماعية التي فرضتها ظروف الحرب، فاعتمد على سياسة تجويع ممنهجة للشعب مترافقة مع تفشي الجهل وغياب المدارس المستقلة، فصار العوز المادي وسيلة استقطاب، فاستهدف أطفالا دون البلوغ، وجرى استغلال حاجتهم وحالة الجهل التي عاشوها لينشأ جيل كامل داخل معسكرات التلقين والكتاتيب المغلقة، ومع مرور السنوات تحول هؤلاء الأطفال الذين أتموا اليوم سن العشرين وما فوق إلى عناصر أشبه بالرجال الآليين أدوات صماء تم تجريدها من أي منطق أو فهم شرعي سليم، وأدى هذا الإطباق الذهني إلى تحويل الأوامر الصادرة عن القيادة إلى مرجعية مطلقة تعلو فوق التفكير الفطري وفوق أي مصدر شرعي لدرجة تنفيذ عقوبات وتصفية ميدانية حتى لو طالت أقرب الناس إليهم.
ومع سيطرتهم على المستشفيات والكازيات والأسواق صارت قوتهم أكبر في شراء الذمم.
3. هندسة الولاء والتجنيد المغلق:
جرى تركيز هذا التجنيد على استقطاب الشباب والفئات الناشئة وتلقينها أدبيات سمعية وبصرية تحصر مفاهيم الحق والواجب في امتثال الأوامر التنظيمية الصادرة عن القيادة العليا، وتضمنت هذه العمليات معسكرات إعداد مغلقة جرى خلالها فصل المجندين عن المؤثرات الخارجية وتعريضهم لدورات توجيه مكثفة تهدف إلى:
١- إلغاء النقد الفكري، وإعادة تعريف المفاهيم لتصبح مطابقة تماما لقرارات التنظيم وخططه العسكرية.
٢- الولاء المطلق للقيادة، وربط مفهوم طاعة السلطة المطلقة بالإسلام، واختزال السياسة في شخص القائد.
٣- تفكيك الروابط الاجتماعية، وتشجيع المقاتل على تقديم التوجيهات الأمنية للتنظيم على العلاقات العائلية.
4. توظيف الواقع في طاعة القائد:
مع كثرة الخلافات بين الفصائل والفرق والجماعات، وكثرة الأعداء، تمّ تصوير القائد الجولاني على أنه المنقذ الوحيد لأهل السنة ولأهل الثورة، وما سواه فهو عميل أو مريض أو ضعيف، فالشحن القلبي لأتباعه مبني على مهاجمة منافسي الجولاني، مع عدم وجود أي إنجاز له في إدلب، ومع تقدم النظام وحصر الثورة في إدلب وما جاورها نحو الشمال ركّزوا في شحنهم لأتباعهم على أن حكم السنة متمثل بالجولاني، وإن ذهب فسيسقط حكم السنة للأبد، وجرى اختزال القيم الدينية الكبرى في شعارات تتمثل فيهم ليبرروا احتكارهم وإجرامهم، ومع سيطرتهم على التعليم والمناهج صاغوها بما يتوافق مع كذبهم وتناقضاتهم وإجرامهم.
5. البراغماتية السلطوية:
مع الشحن القلبي العاطفي، والولاء المطلق للقيادة، مارس الجولاني براغماتية خارجية، وقُدمت للأتباع على أنها المصلحة والسياسة التي لا يفهمها إلا القائد، وتبرير ما يمكن تبريره من سياسة مع الفصائل وفك الارتباط وتأسيس هياكل مدنية تتآمر مع المخابرات الدولية، وجعلوا ذلك بمثابة اختبار لولاء الأتباع، ومع وجود أي انشقاق يتم تصفيتهم عبر الشرائح الموضوعة للتحالف، وهكذا قضى على مئات من المنشقين والمنافسين.
6. خاتمة: بعد الوصول لحكم سوريا وانكشاف كل شيء، وذوبان هتش في الجيش السوري المختلط، ضعف الولاء للجولاني، ويصعب شراء الذمم من جديد، فسوريا لقمة كبيرة غصّت في حلق الجولاني حتى موته.




