محاضرة بعنوان: عبر وبصائر في أفغانستان للشیخ أسامة بن لادن تقبله الله (1)

محاضرة بعنوان:  عبر وبصائر في أفغانستان للشیخ أسامة بن لادن تقبله الله (1)

 

 

الحمد لله الذي هدانا لهذا الدين، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والحمد لله الذي رضيَّ لنا هذا الدين وأتَمَّه وأكمله، والحمد لله الذي شرَّع هذا الجهاد لحماية هذا الدين، فالجهاد جزءٌ أصيلٌ من هذا الدين، والله سبحانه وتعالى شرَّع هذا الجهاد لحماية هذا الإيمان ولحماية باقي شعائر هذا الدين، وهو أبرز صفةٍ من صفات الإيمان وهو خيرُ الأعمال وأفضلها، وهو أبرز صفة من صفات الطائفة الناجية المنصورة كما سيأتي معنا في الآيات والأحاديث وفعل صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والقعود عن الجهاد ولا حول ولا قوة إلا بالله هو من أبرز صفات النفاق كما سيأتي في الآيات والأحاديث وفعل صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولذلك كثيراً ما نجد لأهمية هذا الجهاد وكثيراً ما نجد في القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى يجمع بين الإيمان بالله والرسول – صلى الله عليه وسلم – وبين الجهاد وبين الإيمان بالله وباليوم الآخر وبين الجهاد.

 

يقول سبحانه بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا} فَقَدَّمَ الجهاد على باقي الأركان بعد شهادة «لا إله إلا الله ومُحَمَّد رسول الله» لأهميته في حماية الإيمان وحماية باقي الأركان.

 

ويقول سبحانه مؤكداً على هذا المعنى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ} … {آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ} ، المنافقين هم الذين ( .. ) وأما المؤمنين عليهم بالإيمان والجِهاد.

 

ويقول سبحانه وتعالى في سورة الصف: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} إيمان وجهاد؛ {بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .

 

يقول سبحانه وتعالى في سورة الحجرات: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} ليس كل من قال آمنت فهو مؤمن كما قال الله سبحانه وتعالى في هذه الآية والآية التي تليها تُبَيّن أبرز صفات الإيمان وهي صفتين كما في الآية «إيمان بدون شك وجهاد»، يقول سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} ، وصفتهم بصدق الإيمان، فالجهاد يُنَقّي الإيمان ويجعلهُ صادقاً، وفي الجهاد يُمَحَّص الإيمان كما قال سبحانه: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ}

 

 

وجاء كذلك في الأحاديث في حديث صحيح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عندما سُئِلَ أيُّ الناس أفضل؟ قال: “رجلاً يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله.” في رواية: “مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله.” إيمان وجهاد، فهؤلاء هم أفضل الناس وخير الناس لهذا الدين، والدين قد اكتمل واكتملت مراتب الناس فيه، فخير الناس هم المجاهدون بلا شكٍ ولا ريب، لهذا الحديث ولهذه الآيات ولفعل صحابه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومذهب أهل السُنّة والجماعة أن خير الناس هم أهل بدر ثم أهل أحد ثم بيعة أهل الرضوان، فالثلاث مواقع هذه هي جهاد كما تعلمون، أول ما يُذكَر من صفة الصحابة رغم أنه يكون من سيّد القراءة وصفيٌّ من كبار فقهاء الصحابة – رضي الله عنهم – أول ما يُذكَر عنه «بدري» سيوفٍ ورماح حملوا رؤسهم على أكُفّهم لنُّصرة هذا الدين، أثبتوا مَحَبَّتَهُم ببذل دمائهم وهو أقصى ما يملكون.

 

ولذلك جاء في أهل بدر والقصة معروفة قصة حاطب عندما أرسل كتاباً إلى أهل مكة فقال عمر: “يا رسول الله دعني أضرب عنقه فقد نافق وخان الله ورسوله” فماذا قال – صلى الله عليه وسلم -؟ قال: “قد شهد بدراً، وما يُدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم” وفي رواية للبخاري: “اعملوا ما شئتم، فقد وجبت لكم الجنة” فبالجهاد قد حرّم الله سبحانه وتعالى النار عن المجاهدين «أهل بدر» وأوجب لهم الجنة والأحاديث في هذا كثيرة، الحديث الآخر أيضاً في حاطب عندما جاء يشتكيه عبده وقال: “يا رسول الله ليدخلن حاطب النار” فقال – صلى الله عليه وسلم: “كذبت … لا يدخلها فإنه شهد بدراً والحديبية.”

 

أهل بدراً والحديبية كما ذكرت لكم بذلوا دمائهم لنُّصرة هذا الدين ثم يُبَيّن الله سبحانه وتعالى في الآيات الأخرى أبرز صفات المنافقين ويُبَيّن في الآيات أن التعذُّر وكثرة الأعذار هي من صفات المنافقين فيقول سبحانه بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الذين كذبوا الله ورسوله هم الذين يقعدون عن الجهاد وهذه الآيات نزلت في المنافقين تحذيراً لنا ولعامة المسلمين من أن يسلكوا سبيل المنافقين، إذا تَعَيَّن عليهم الجهاد ما ينبغي لهم أن يجلسوا وما يجوز أن تُطَبَّق هذه الآيات على المسلمين وإنما هي في المنافقين تحذيراً لنا من أن نسلك سبيلهم.

 

ويقول سبحانه: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} القعود عن الجهاد هو عين السقوط في الفتنة {أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} .

 

ويقول سبحانه: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ} ، نرجو الله أن لا نكون ممن كَرِه الله انبعاثنا، {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} فالقعود هو من صفات المنافقين.

 

 

ويقول سبحانه مُبيّناً أبرز صفات المؤمنين وفي آية أخرى أبرز صفات المنافقين، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} … أورد الطَبَري في تفسير {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} – معنى لا نفعلهُ للأسف – يقول: “أعرف المعروف أن تأمر الناس بشهادة أن لا إله الله” ولكن تابعوا الطبري ماذا يقول وأظنه يروي عن ابن عباس يقول: “أن تأمر الناس بـ «لا إله إلا الله» وتقاتل عليها.” ، لا نقول للناس آمنوا ونتركهم ويأتي الكفار من كل مكان ويسلخوا أبناء المسلمين من دين الله وإنما تأمر بالمعروف وتقاتل عليه وهذا هو فعل صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وفِعلُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.

 

ويقول سبحانه مُبيّناً صفات المنافقين: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} وجاء في الحديث الصحيح في مختصر صحيح مسلم للمنذري يقول – صلى الله عليه وسلم – جامعاً بين من تَرَكَ الغزو أو التحديث بهِ – كأن يُحدّث نفسه به – وبين شُعبةٍ من شُعَبِ النفاق؛ يقول – صلى الله عليه وسلم: “من مات ولم يغزُ ولم يُحَدّث به نفسه مات على شُعبةٍ من نفاق.” واضح الحديث في جمعهِ بين عدم الغزو وشُعبةٍ من النفاق.

 

وكثيراً من الناس يقول نحنُ نُحدّث أنفسنا بالغزو، جزاكم الله خير، ونرجو من الله أن لا يشملنا هذا الوعيد ولكن هنالك سؤال: لِماذا نُحدّث أنفسنا كثيراً جداً، جداً حتى يبلغ بعضها في أقصى المغرب أو في أقصى المشرق بطلب الشهادات وغيرها ونفعلها … تريد أن تُسجّل في الجامعة؟ تُسجّل … تُحدّث نفسك في الزواج فتتزوج … تُحدّث نفسك بكل أمرٍ تفعله إلا ذروة السنام لا بواكي له؟! نُحدّث أنفسنا ولا نفعله!

 

ولذلك اشترط رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في الحديث اشترط «الصدق» لمن سأل الله الشهادة يقول – صلى الله عليه وسلم: “من سأل الله الشهادة بصدق بَلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه.” ويقول سبحانه وتعالى في الآية مُبيّناً أهمية الصدق في هذه المسألة: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} أبرز صفات الإيمان وأبرز صفات الطائفة الناجية هو الجهاد.

 

ولذلك صحَّ عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في مختصر صحيح مسلم أنه قال: “لا تزال طائفةٌ من أُمَّتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك.” ، كثيرٌ من الناس يقول نحن هذه الطائفة المنصورة، نحن هذه الطائفة الناجية فأهل القرآن وتدريس القرآن يقولون نحن هذه الطائفة، وأهل الذِكر وبعض الناس يقولون نحن هذه الطائفة، وكلٌ يقول كما يحب ولكن المنذري لم يضع هذا الحديث في كتاب العلم وإنما وضعه في كتاب الجهاد والحديث الذي يليه مباشرةً في المختصر بلفظٍ واضح الدلالة على صفة الطائفة المنصورة لا يحتمل تأويلاً أن تدريس أو تعليم أو وعظ أو بناء مساجد وإن كان هذا كلهُ أجرٌ وخير وهو مطلوب ولكن أبرز صفة جاء عنهُ – صلى الله عليه وسلم – في مختصر صحيح مسلم: “لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم.” هل هذه الصفة فينا؟ نقاتل على أمر

 

 

الله أم نُقاتل ويقاتل المسلمون من أعداء الله ومقهورين من عدونا حتى كادت قلوب المسلمين أن تنفطر؟ فلنحاسب أنفسنا قبل أن يأتي يوم الحِساب.

 

وما أدراك ما حرمة دماء المسلمين وحرمة أعراضهم التي تُنتَهَك في كل مكان لأننا خذلناهم وما استطاع الكفار أن يعتدوا على أعراض المسلمين إلا لأنهم علموا أنا لن ننصر إخواننا فتجرأوا عليهم فنرجو الله أن يَمُنَّ علينا بأن نجاهد وأن يرزقنا الشهادة بفضله سبحانه حتى يُكَفِّر عن ما سلف منا، لأنه كما صحَّ عنه – صلى الله عليه وسلم: “إن السيف محّاءُ الخطايا.” فالشهادة في سبيل الله تمحي جميع الذنوب إن شاء الله.

 

وعَلَّمنا الله سبحانه وتعالى أهمية وكيف نتعامل مع دماء المسلمين وأعراضهم فقد جاء في سيرته – صلى الله عليه وسلم – بعد أن مكث قرابة شهر في غزوة الأحزاب وهم في أشد الفوق والجوع والبرد حتى كان بعض الصحابة يشتكي لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – بلسان الحال فيرفع عن بطنه وإذا بهِ عاصبٌ حجراً على بطنهِ من الجوع فكان يجبيهم – صلى الله عليه وسلم – بأن يكشف عن بطنه فإذا به يعصب على حجرين – صلى الله عليه وسلم – وكانوا يجاهدون من شدة البرد والجوع والفقر فما إن رجعوا إلى المدينة فاستكانوا في المدينة وأرادوا أن يرتاحوا ( .. ) رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وجلس الناس في المدينة فيأبى الله إلا أن يُتِمَّ نورة ويأبى الله سبحانه وتعالى إلا أن يعلمنا كيف نتعامل مع دماء المسلمين وأعراضهم وكيف نتعامل مع من فَكَّرَ أن ينال من دماء المسلمين وأعراضهم.

 

فبنو قريظة تعاهدوا مع الكفار على أن ينالوا من المسلمين ولم ينالوا، فأرسل الله جبريل إلى رسوله – صلى الله عليه وسلم – كما جاء في عدة روايات فقال عليه السلام: “يا محمد هل وضعتم السلاح؟ فإنا والله لم نضع السلاح بعد.” الملائكة لم تضع السلاح حتى تنتقم وتؤدب من فكّرَ في أن ينالَ من دم إمرء مسلم أو عرض إمرأة مسلمة.

 

فخرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأمر مؤذن يأذن في الناس: “من كان سامعاً مطيعاً فلا يُصليّن العصر إلا في بني قريظة” ، وفي رواية: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة.” كل هذا يعلمنا كيف نتعامل مع دماء المسلمين، فذهب – صلى الله عليه وسلم – وحاصرهم والقصة معروفة في هذا.

 

ثم بيعة الرضوان التي أنزل الله سبحانه وتعالى في أهلها وهم لم يخوضوا قتالاً وأنزل فيهم آيات من فوق سبع سماوات يمدح بيعة أهل الرضوان: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} أثبت سبحانه وتعالى رِضاهُ ومحبته لهم؛ ما سبب بيعة الرضوان؟ وصل إلى مسامع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن مسلماً واحداً قُتِلَ في مكة، فيعلمنا كيف نتصرف – صلى الله عليه وسلم – فما كان منه إلا أن بايع أصحابه على قتال القوم وفي رواية أنه بايعهم على الموت حتى يثأروا لدم مسلمٍ واحد.

 

 

وكان الأمر أن إشاعةً وصلت أن عثمان – رضي الله عنه – قد قُتِل فقام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهم قد خرجوا للعمرة ولم يخرجوا لقتال ولم يخرجوا بكامل عددهم للقتال، فما فعل – صلى الله عليه وسلم – لما وصل خبره أن دم مسلم واحد أريق؟ قال: “لا نبرح حتى نُناجز القوم.” هذا هو ديننا فنحنُ أُمَّةُ جهاد، هذا فعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عندما يُقتَل مسلم لا نبرح حتى نناجز القوم حتى نتعلم عندما نسمع أن مسلماً قُتِلَ أو مئات الألوف من المسلمين يُقتلون ماذا نفعل وكيف نتجاوب معهم.

 

ثم يتوفى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقبل وفاتهِ وفي مرضهِ الذي مات فيه خرج عاصباً على رأسه يوصي صحابته – صلى الله عليه وسلم – فماذا كانت الوصية؟ حتى تعرفوا أنّا نحن أُمَّةَ جهاد، العمل الأساسي عندنا هو الجهاد، ماذا أوصى؟ “أنفذوا بعث أسامة، أنفذوا بعث أسامة” وهل كان بعث أسامة «كُتب»؟ وهل كان بعث أسامة «شهاداتٍ علميّة»؟ كان سيوفاً ورماح؛ حملوا رؤسهم على أكُفّهم لنُّصرة هذا الدين، ويتوفى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ويُصيب المسلمين من الضعف الشيء الكثير، كانوا أضعف منا بكثير ولكن الإيمان بقلوبهم قوي.

 

وقالت السيدة عائشة: “لقد ارتدَّت العرب والعجم” و “ارتدت العرب” عامة أو خاصة “واشرئب النفاق في المدينة وقد كان المسلمون كالغنم الشاتية في ليلة مطيرة في أرض مسبعة ولقد نزل بأبي ما لو نزل بالجبال لهاضها.” ( .. ) كل مايريدوا أن يقضون على عاصمة الإسلام، ولم يبقى من مدن الإسلام إلا الحرمين «مكة والمدينة» والطائف وجواثا في البحرين وأما الباقين ارتدوا.

 

( .. ) شاهد بمقالة أبي بكر -رضي الله عنه- فاستشار الصحابة من شدة ما بهم قالوا: “نقبل منهم الصلاة وندع لهم الزكاة” فقال – رضي الله عنه: “أَيَنْقُصُ وأنا حَيّْ؟!” هذه لنا كيف نرضى أن ( .. ) هذا الدين ونحنُ أحياء؟ فقال أبو بكر الصديق لعُمَر بن الخطاب – رضي الله عنهما – بما نتألفهم بشعر مفترى أو بشعر مفتعل؟ لا والله إنما بهذا الدين نحن نقاتل الناس، فقال في عدة روايات: “واللهِ لو منعوني عقالاً كانوا يعطونه إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لجاهدتهم” ، وفي رواية: “لقاتلتهم”

 

فالدواء هو الجهاد حتى ندفع هذا الذُلَّ عن هذه الأُمَّة، وقد علمنا الله سبحانه وتعالى كيف نُحِقُّ الحق إن كنا طلابًا للحق – نرجوا الله أن نكون ممن يطلب الحق – فوصف خير الناس صحابته – صلى الله عليه وسلم – هم أهل بدر فقال عن أهل بدر مُبيّناً أنهم كانوا يودون غير القتال يقول سبحانه: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} ، كان الصحابة يريدون «العَيْر»، خير الناس لا يريدون القتال، لأن القتال «كُره» كما في الآيات، لكن الله لا يُحابي أحداً، الله سبحانه وتعالى يريد أن يُحِقَّ الحق ويُبطل الباطل ولو كره المجرمون، فماذا قال سبحانه؟: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ}

 

 

فلما أراد إبطال الحق هل وجههم إلى العَيْر أم وجههم إلى الجهاد في بدر؟ وجههم إلى الجهاد؛ فبالجهاد يُحق الحق، وبالجهاد يردُّ بأس الذين كفروا كما قال سبحانه: {وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا}

 

وكثيرٌ من الثغرات المفتوحة عندنا اليوم في بلادنا سببها أننا مهزومون نفسياً ومهزومون من جميع الجهات لأن الإيمان ضَعُفَ في قلوبنا، ومن طبيعة الأُمَّة المهزومة أن تُحاكي الأُمَّة المنتصرة فلذلك أبناؤنا يقلدون الكفّار في كل شيء لأن الكفار أقوياء ونحن مهزومون، فنشتغل في علاج نتائج الهزيمة التي سببها ترك الجهاد، فنشتغل ونريد أن نربي أبنائنا ( .. ) يفسدون ويضيعون ونشتغل في أمورٍ كثيرةٍ جداً كلها تنطوي أو معظمها تحت أننا مهزومين لأننا تركنا الجهاد فضاع الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

فهكذا يُحق الحق بالجهاد، وأريد أن أقول لكم أن الجهاد أولى الناس برفع رايته هم أهل القرآن، هم أهل الحديث، هم أهل هذا الحديث كما علمنا صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقد جاء في سيرتهم – رضي الله عنهم – يوم اليمامة قال أبو حذيفة – رضي الله عنه – يوم أن حميَّ الوطيس: “يا أهل القرآن زيّنوا القرآن بالفعال.” الدين ليس فقط كُتُب ودراسة لهُ بل فعال كما فَعلوا – رضي الله عنهم – ويقول سالم مولى أبو حذيفة يوم اليمامة عندما حمل الراية قال له بعض الصحابة: “نخشى أن نؤتى من قبلك يا سالم” قال: “بئس حامل القرآن أنا إن أوتيتم من قبلي.” أهل القرآن هم الذين في ( … ) لنُّصرة هذا الدين واعلموا أنه ما حفظ القرآن وما جُمعَ بين دفتين إلا لما استحرَّ القتل في الحفظة يوم اليمامة لأن الحفظة أهل الدين ما جلسوا في المدينة يدرسون الناس بل خرجوا لنُّصرة هذا الدين بدمائهم وهناك يُدرِسون.

 

فلما كَثُرَ القتل في الحفظة جَمَعَ الصحابة – رضي الله عنهم – بين دفتين، فهذا الدين لا بُدَّ له من سِنانٍ يحميه وهذا البيان لا بُدَّ له من سِنان، ولذلك لما ترك المسلمون الجهاد ذُلّوا وذُبحوا وأُهينوا ولم تنفعهم كُتُبُهُم ولم ينفعهم علمهم.

 

فقد جاء في البداية والنهاية لابن كثير أن المسلمون عندما خذلوا إخوانهم في بلاد ما وراء النهر عندما هجم التتار على العالم الإسلامي، استمروا يخذلون وقوى الكفار يأخذون بلاد المسلمين حتى وصلوا إلى بغداد «فمن شَبَّ على شيء شاب عليه».

 

الناس شبوا على العلم والكتابة والزراعة وتركوا الجهاد وقد كانت بغداد منارة الدنيا في ذلك الزمان في علم الدين والدنيا، ما أكثر الطلاب والفقهاء، أقرئوا إن شئتم تاريخ بغداد تجدون مجلدات في ذكر علماء ذلك الزمان وكان بنو العبّاس يعطون كل من يترجم كتاباً من كتب اليونان في الكيمياء وغيرها وزنهُ ذهباً، استفادوا بعلم الدين والدنيا وتركوا ذروة السنام فلما جاء التتار رضوا منهم بالذل والخنوع فيقول ابن كثير: “فدخل التتار فأول من بدأوا بذبحه بعد الخليفة ولا”

 

 

حول ولا قوة إلا بالله بشيخ المشايخ ثم بالقُضاة ثم بطلاب العلم، وطلاب العلم يجاهدونَ بالكتب؟ تركوا الجهاد فذبحوهم، وكان الناس من الخنوع يفرون إلى دورهم ويقفلون الأبواب كالأطفال، فيدخل عليهم التتار فيجدونهم في الأسطح فكانوا يذبحونهم على الأسطح وكانت ميازيب بغداد تَسكب دماً ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصحَّ فيهم حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم: “إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله سَلَّطَ الله عليهم ذُلاً.” افعلوا ما شئتم تأجروا عليه إن شاء الله إن كان خيراً بنية صالحة، ولكن إن تركتم الجهاد سيأتيكم الذل كما وعدنا ولا حول ولا قوة إلا بالله كما هو في الحديث فلا بُدَّ من الجهاد يا إخوان … فكانت كُتُبُهُم استخدمها التتار في دفن نهر دجلة حتى يعبروا فبقي نهر دجلة أربعين يوماً أسوداً من الحبر الذي تحلل من الكتب.

 

وأما المسلمون في الأندلس كذلك اهتموا بالبناء وبالعلم و بكل شيء و تركوا الجهاد و ألفوا من العلوم ما لا يُحصى، فماذا فادتهم الكتب التي جمعوها بدون الجهاد؟ عندما تركوا هذا الجزء الأصيل من هذا الدين حُرقوا بها في ساحات الأندلس ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

 

  • Related Posts

    Subterfuge du gouvernement ?

    Subterfuge du gouvernement ? Selon plusieurs sources locales, la véritable raison du déploiement massif de l’armée syrienne ne n’ai pas liée à l’Irak, mais concernerait Abou ‘Amcha, chef de la…

    أسعد الشيباني و مدير جهاز المخابرات التركية (MIT) و تعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب

    أسعد الشيباني و مدير جهاز المخابرات التركية (MIT) و تعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب   الأناضول عن مصادر أمنية: التقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مدير جهاز المخابرات التركية…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    Subterfuge du gouvernement ?

    • من admin
    • أغسطس 6, 2026
    • 1 views
    Subterfuge du gouvernement ?

    أسعد الشيباني و مدير جهاز المخابرات التركية (MIT) و تعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب

    • من admin
    • أغسطس 6, 2026
    • 2 views
    أسعد الشيباني و مدير جهاز المخابرات التركية (MIT) و تعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب

    محاضرة بعنوان: عبر وبصائر في أفغانستان للشیخ أسامة بن لادن تقبله الله (2)

    • من admin
    • أغسطس 6, 2026
    • 5 views
    محاضرة بعنوان:  عبر وبصائر في أفغانستان للشیخ أسامة بن لادن تقبله الله (2)

    محاضرة بعنوان: عبر وبصائر في أفغانستان للشیخ أسامة بن لادن تقبله الله (1)

    • من admin
    • أغسطس 6, 2026
    • 5 views
    محاضرة بعنوان:  عبر وبصائر في أفغانستان للشیخ أسامة بن لادن تقبله الله (1)

    الولايات المتحدة الأمريكية تنسحب والدول الأوروبية تعيد التسلح

    • من abuaamer
    • أغسطس 5, 2026
    • 6 views
    الولايات المتحدة الأمريكية تنسحب والدول الأوروبية تعيد التسلح

    الفتنة التاريخية لأمثال عائض القرني لدى آل سعود وكركوزات عصابة الجولاني في سوريا

    • من alUrduni
    • أغسطس 5, 2026
    • 4 views
    الفتنة التاريخية لأمثال عائض القرني لدى آل سعود وكركوزات عصابة الجولاني في سوريا