البطة السوداء في سوريا البيضاء

البطة السوداء في سوريا البيضاء

 

دير الزور لا تشبه بقية سوريا في مأساتها. هي مدينة أعطت كل ما تملك، وأخذت منها الحرب كل شيء تقريبا؛ ثمانون من كل مئة بيت فيها صار أثرا بعد عين. وآلاف مؤلفة من خيرة شبابها وشيبها وأطفالها دفنوا هناك بفعل آلة المـ.ـوت والقتـ.ـل الأسدية مرة، وبفعل الإهمال والحرمان والتهميش ألف مرة!  ومع ذلك، حين تسأل أين ذهبت خيراتها من نفط وغاز وزراعة، لا تجد جوابا واضحا سوى أنها ذهبت إلى مكان آخر، بعيدا عن أهلها الذين لا يجدون مشفى يليق بمرضاهم، ولا ماءا يسقون به زرعهم ولا كهرباء يستعينون بها لتخفيف حر الصيف والقيظ!

 

مرة يقتـ.ـلون بحوادث مرورية على طريق البادية أثناء سفرهم لعلاج مرضاهم أو بحثا عن عمل يحمي كرامتهم من ذل العوز والسؤال. وأخرى عندما يحاولون العبور بين ضفتي الفرات. وثالثة من القهر في مواجهة هذه الحياة المعلقة بين زمنين، الثابت الوحيد بينهما استمرار المعاناة وتعمق المأساة!

 

ثم يأتي من يصفهم بـ”المخربين”! لينكأ جراحـ.ـهم المفتوحة، وكأن الخراب الذي عاشوه مجرّد لحظة عابرة في الزمن! والثمن الذي دفعوه وما زالوا لم يكن كافيًا لأصحاب “سوريا البيضاء” ليفسّر أسباب  تهجيرهم ونزوحهم نحو العاصمة، ليضاف إليه اتهام مُعلّب مُنمّط، دون تكلف عناء السؤال: ما الذي أوصل الناس إلى هذه الحال؟

 

ما جرى في جديدة عرطوز ليس حادثة بسيطة أو فردية -كما تحب حكومتنا الموقرة تصنيف مثل هذه الحوادث- إنما هو تكثيف لأزمة بنيوية أعمق: مركزية مفرطة، وغياب عدالة في توزيع الموارد، تدفع الناس نحو العاصمة حتى تنفجر التوترات الاجتماعية بين السكان من حين لآخر.

 

فالمشكلة الصغيرة أول أمس بين جيران في عرطوز تحولت إلى استنفار عشائري كامل عندما انحاز بعض عناصر الأمن لطرف على حساب آخر، وانتهك حرمة بيوت لم يكن ينبغي له أن يدخلها بهذه الطريقة. وهذا ما دفع أبناء دير الزور المقيمين في المنطقة إلى الاستنفار والحشد.

 

ومنطق “الفزعة” بالتأكيد مدان وخطير، وقد دُبّج في خطورته ومآلاته واستدعائه كثير من المقالات والمداخلات. لكن من يستنكر الفزعة عليه أن يسأل أولا: لماذا يلجأ الناس إليها؟ الجواب رغم بساطته وبداهته مؤلم بعد عامين على التحرير؛ فغياب القانون العادل، وانهيار الثقة بمؤسسات الدولة يدفع الناس إلى العشيرة لتكون القانون البديل.

 

والأدهى أن بعض عناصر الأمن، الذين يفترض أن يكونوا الحد الفاصل بين الفوضى والنظام، وقفوا يتفرجون على مظاهرة مسائية تهتف بعنصرية صريحة، ومحرضة ومستفرّة ضد أبناء محافظة بأكملها. فصمت وحمى هذا الفعل من يفترض به الحياد، وحفظ الأمن العام ومنع تفاقم المشكلة بين جموع مواطنيه!

 

ومع كل هذا الاستفزاز والتنميط والإساءة المعممة، يستحق أهل دير الزور أن يُذكَروا بما هم عليه لا بما يُلصق بهم من تهم فوقية وخطابات عنصرية وكأنهم أبناء البطة السوداء أمام بقية السوريين البيض!

 

لمن نسي، نذكره؛ بأن هؤلاء أنفسهم من حملوا من بيوتهم المنكوبة طعاما وأغطية وأرسلوها إلى الشمال المحرر في زلزال شباط ٢٠٢٣، حين خذل العالم كله سوريي الشمال. لم يسألهم أحد يومها عن هويتهم قبل أن يمدوا أيديهم.

 

وبالتأكيد في دير الزور الصالح والطالح، مثلها مثل أي محافظة سورية أو بيئة اجتماعية محلية. فالحل يكون بالأخذ على يد المسيء لا باستفزاز مجتمعات كاملة والإساءة إليها.

 

المحافظة ما زالت مهملة ومهمشة منذ ما يقارب عامين على التحرير، ولا وجود لرؤية حكومية حتى الآن لحل معضلاتها وأزماتها المتراكمة منذ ستين عاما. مبالغ الاختلاسات في قطاع نفط دير الزور التي كشف عنها مؤخرا كانت تكفي وحدها لإعادة الحياة لآلاف العائلات لو ذهبت إلى بناء المشافي وتحسين البنية التحتية لاستجرار الحياة مجددا للمدينة، عوض ذهابها إلى الجيوب المعروفة.

لا تسرق ثرواتي أمام عيني وتحرمني من أبسط حقوقي ثم تلومني في البحث عن فرصة للحياة في مكان دفعتني دفعا للنزوح إليه بفعل سياسة الغباء المستمرة عبر المركزية المفرطة.

 

سوريا المنكوبة تحتاج إلى حلول جذرية، لا إلى بيانات إنشائية لا تغادر حناجر أصحابها، ولا تستحق ثمن الحبر الذي كتبت به. والبداية تكون بمعالجة أزمتنا البنيوية التي ركزت السلطة والاقتصاد والخدمات في العاصمة ومحيطها (المركز) وأهملت باقي أنحاء البلاد وفي مقدمها المنطقة الشرقية كلها (دير الزور والحسكة والرقة).

 

طالما بقيت دمشق وحدها الباب الذي تُفتح فيه فرص العمل والخدمات والاستثمارات والسكن،  وتُترك بقية المحافظات تحصي جراحـ.ـها وحدها، فسيبقى الناس ينزحون للعاصمة وما حولها، وستتكرر هذه الاحتكاكات بوجوه جديدة وأسباب متجددة.

 

الاستقرار الحقيقي يحتاج إلى شجاعة في كشف المستور، ورد الحقوق، ومعالجة جذور المشاكل المتراكمة، وفي مقدمتها العدالة في توزيع الموارد، ومؤسسات عامة تُحترم بالتزامها بالقانون والوقوف على مسافة واحدة من جميع المواطنين، والأهم والأوضح قبل كل شيء؛ بعاصمة لا تكبر على حساب وطن بأكمله.

 

الکاتب: خالد ابو صلاح ابن مدينة حمص

  • Related Posts

    فلسطين . الاحتلال يستهدف مخازن الأدوية في غزة وسط تفاقم الأزمة الدوائية

    فلسطين . الاحتلال يستهدف مخازن الأدوية في غزة وسط تفاقم الأزمة الدوائية     تفاقمت أزمة الأدوية والمستلزمات الطبية في قطاع غزة، مع استمرار الاستهداف الإسرائيلي للمنشآت والمخازن الطبية، في…

    ماذا تجدون ممن يحاكون مذهب الجولاني والذين باعوا الدين وأحاطوا به عن لقاء الشيباني مع رومان غوفمان الصهيوني؟

    ماذا تجدون ممن يحاكون مذهب الجولاني والذين باعوا الدين وأحاطوا به عن لقاء الشيباني مع رومان غوفمان الصهيوني؟   لا حرج أن نقول للذين دعموا الجولاني المرتد وعدّوه ممثلاً لأهل…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    فلسطين . الاحتلال يستهدف مخازن الأدوية في غزة وسط تفاقم الأزمة الدوائية

    • من admin
    • أغسطس 29, 2026
    • 0 views
    فلسطين . الاحتلال يستهدف مخازن الأدوية في غزة وسط تفاقم الأزمة الدوائية

    البطة السوداء في سوريا البيضاء

    • من admin
    • أغسطس 29, 2026
    • 1 views
    البطة السوداء في سوريا البيضاء

    ماذا تجدون ممن يحاكون مذهب الجولاني والذين باعوا الدين وأحاطوا به عن لقاء الشيباني مع رومان غوفمان الصهيوني؟

    ماذا تجدون ممن يحاكون مذهب الجولاني والذين باعوا الدين وأحاطوا به عن لقاء الشيباني مع رومان غوفمان الصهيوني؟

    العميل الجولاني، خنجر مسموم في جسد الجهاد والثورة الإسلامية في سوريا

    العميل الجولاني، خنجر مسموم في جسد الجهاد والثورة الإسلامية في سوريا

    الشيباني يقول إن إيران يجب أن تعترف… فلماذا إيران وحدها تعترف؟ وإلى أين تتجه سوريا؟

    الشيباني يقول إن إيران يجب أن تعترف… فلماذا إيران وحدها تعترف؟ وإلى أين تتجه سوريا؟

    فشل الإداري المتراكم و خبث الجولاني

    • من alUrduni
    • أغسطس 29, 2026
    • 2 views
    فشل الإداري المتراكم و خبث الجولاني