الإجماع ينهار في الولايات المتحدة و«اللوبي الإسرائيلي» يبسط سيطرته (١)
يُعدّ أستاذ جامعة هارفارد ستيفن والت من أبرز ممثلي مدرسة الواقعية السياسية وهو المؤلف المشارك مع جون ميرشايمر لكتاب «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية» (٢٠٠٧). يظل هذا الكتاب أحد أكثر المحاولات استشهاداً في وصف التأثير المنظم للمنظمات المؤيدة لإسرائيل على صياغة استراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
وفي مقابلة حديثة أجراها مع تاكر كارلسون، قدّم والت توقعات بشأن مستقبل السياسة الأمريكية القريب حيث تستحق تقييماته دراسة دقيقة.
يشير والت إلى أن دونالد ترامب تحدّى لأول مرة عام ٢٠١٦ وبشكل جدي، الإجماع الحزبي الثنائي في السياسة الخارجية الذي ساد منذ نهاية الحرب الباردة وكان هذا الإجماع يشمل الالتزام غير المشروط بـ«الدولية الليبرالية» والحضور العسكري النشط في الشرق الأوسط والدعم شبه المطلق لإسرائيل.
ويرى هذا الأستاذ أن ترامب «فتح فضاءً» للنقاشات العامة التي كانت تُعتبر سابقاً من المحرمات تقريباً. ومع ذلك، ينتقد والت ترامب بشدة، ويصفه بـ«أسوأ رئيس» في تاريخ الولايات المتحدة من منظور المصالح الأمريكية وفي الوقت نفسه بـ«أفضل هدية» لأعداء أمريكا.
ومن وجهة نظره، فإن الأثر الإيجابي الرئيسي لا يكمن في قرارات الإدارة المحددة، بل في كسر الطبيعة الموحدة للمؤسسة السياسية الخارجية.
ويؤكد والت بشكل خاص على غياب المساءلة. فمن المسؤولون عن الإخفاقات (العراق وأفغانستان وليبيا وإيران) نادراً ما يدفعون ثمن فشلهم مهنياً. ينتقلون إلى مراكز الأبحاث وشركات الاستشارات والجامعات، ثم يعودون بعد سنوات قليلة إلى المناصب الرئيسية.
يحمي النظام نفسه. أما الذين ثبتت صحة آرائهم مبكراً (منتقدو حرب العراق، والمتشككون في الربيع العربي أو في التدخل المفرط في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، أو في كارثية الحرب ضد إيران) فيُهمَّشون غالباً.
ويأتي سياق «اللوبي الإسرائيلي» حيث يتقاطع تحليل والت مع عمله السابق. فقد جادل هو وميرشايمر في الكتاب الصادر عام ٢٠٠٧ بأن المنظمات المؤيدة لإسرائيل (آيبك، وعدد من المؤسسات، والمنظمات الإعلامية، وشبكة من مراكز الأبحاث) تمارس نفوذاً غير متناسب على سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
ويرى أن هذا النفوذ يتعارض غالباً مع المصالح الوطنية الأمريكية ويدفع واشنطن إلى صراعات كان بإمكانها تجنبها أو التعامل معها بشكل مختلف ويضيّق مساحة المناورة لديها.
ومنذ البداية، اتهم النقاد المؤلفين بمعاداة السامية والمبالغة ولكن والت أصر دائماً على أن الأمر ليس «مؤامرة يهودية»، بل عمل مشروع تماماً (وإن كان فعالاً بشكل مفرط) للوبي منظم، شبيه بلوبي كوبا أو أرمينيا أو النفط.
لا يتطرق والت مباشرة إلى هذا الموضوع في المقابلات ولكن منطقه يظل واحداً: عندما يفتقر النظام إلى آلية مساءلة حقيقية، يكتسب أي هيكل لوبي قوي ميزة إضافية. فيستطيع أن يروّج لسياسات تخدم زبائنه دون خوف من عواقب جدية في حال الفشل.
الكاتب: أبو عامر (خالد الحموي)




