الإجماع ينهار في الولايات المتحدة و«اللوبي الإسرائيلي» يبسط سيطرته (٢)
يرى ستيفن والت أننا نشهد بداية تغيير عميق. فقد ظهرت تصدعات في كلا الحزبين وبدأت مراكز الأبحاث التي كانت شبه متطابقة سابقاً في القضايا الرئيسية ولا سيما الشرق الأوسط تتباعد وأصبح الرأي العام خاصة بين الجيل الشاب وقاعدة الجمهوريين، أكثر تشككاً بشكل ملحوظ تجاه الدعم غير المشروط لأي عمل إسرائيلي وتجاه التدخلات العسكرية المكلفة عموماً.
يظل والت حذراً. فهو لا يدّعي أن الإجماع قد انهار بالكامل بل يقول إن التصدعات قد ظهرت وإن المساحة للآراء البديلة قد اتسعت مقارنة بعقد الألفين أو بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ويرى أن هذا الأمر قد يكون مفيداً على المدى الطويل بشرط ألا يؤدي النقاش إلى انعزالية بدائية أو نظريات مؤامرة.
وفي تقييم نقدي يمكن القول إن موقف والت يظل ثابتاً ويندرج في تقاليد الواقعية. فهو يصر على أولوية المصالح الوطنية على الاعتبارات الأيديولوجية أو ضغوط اللوبيات ويُعد انتقاده لغياب المساءلة في طبقة السياسة الخارجية الأمريكية مقنعاً: ففي الواقع، لم يدفع عدد قليل جداً من مهندسي كارثة العراق ثمناً حقيقياً.
ومع ذلك، فإن تحليله يحمل حدوداً. الأول نفوذ اللوبي المؤيد لإسرائيل حقيقي وموثق ولكنه ليس العامل الوحيد المحرك لسياسة الشرق الأوسط الأمريكية.
فالمصالح النفطية والمجمع العسكري والصناعي والجمود البيروقراطي والمواقف الأيديولوجية والمعتقدات الشخصية لرؤساء الولايات المتحدة، لا تقل أهمية والثاني التحول في التوجه البحري الذي يتحدث عنه والت، يبدو حتى الآن أقرب إلى الاستقطاب منه إلى تشكيل استراتيجية جديدة ومستقرة.
فحزب الجمهوريين نفسه منقسم اليوم بعمق بين المتشددين التقليديين والعناصر الأكثر حذراً والديمقراطيون أيضاً غارقون في صراعات داخلية حول إسرائيل وغزة.
والأخير فإن مجرد بث المقابلة على منصة تاكر كارلسون يمنحها تلقائياً طابعاً سياسياً معيناً. فوالت واقعي أكاديمي وليس شعبوياً وحججه بغض النظر عن المنصة التي تُقدم عليها، تستحق دراسة مستقلة.
بهذه التوضيحات، تبرز مقابلة ستيفن والت نقطة مهمة: إن إجماع السياسة الخارجية الأمريكية الذي تشكل بعد عام ١٩٩١ وخاصة بعد ١١ سبتمبر يتآكل.
والسؤال ليس ما إذا كان نفوذ الجماعات المنظمة المؤيدة لإسرائيل سيزول أو يضعف. بل السؤال هو: هل تستطيع واشنطن أن تطور نهجاً أكثر عقلانية وقائماً على المصالح الوطنية تجاه الشرق الأوسط ودور الولايات المتحدة في العالم ككل؟
لا توجد مؤشرات كثيرة على استراتيجية جديدة مستدامة حتى الآن. بل يوجد فقط إدراك متزايد بأن النموذج القديم قد تعرض لإخفاقات خطيرة وأن تكلفة هذه الإخفاقات كانت مرتفعة.
والأهم من ذلك، هناك وعي متزايد في المجتمع الأمريكي بأن العامل الرئيسي للاضطراب والفشل الأمريكي هو إسرائيل بطائفيتها المذهبية المجنونة وتعصبها الديني البديل الذي يبرر جرائمها الدموية بأمر من الله.
الكاتب: أبو عامر (خالد الحموي)




