أسباب انسحاب الولايات المتحدة من سوريا وأوجهه
تشير التطورات الأخيرة في الساحة السياسية والعسكرية السورية إلى مراجعة جادة لاستراتيجية الوجود الأمريكي على المدى المتوسط والطويل في هذا البلد. بناءً على البيانات الميدانية والتحليلات الجيوسياسية، يمكن تصور أربعة محاور رئيسية لهذا القرار والتي سيتم الإشارة إليها بإيجاز:
1. إفساح المجال لإسرائيل للسيطرة الكاملة
يزيل انسحاب القوات الأمريكية قيود التنسيق الميداني ويوفر مساحة للسيطرة الجوية الشاملة وفي المستقبل القريب، للعمليات البرية الإسرائيلية. يتيح هذا الإجراء لتل أبيب دون القلق من التداخل مع القوات المتحالفة أي الولايات المتحدة التعامل مباشرة مع التهديدات وتثبيت نفوذها في عمق المناطق السورية.
2. الضغط الدبلوماسي على روسيا وتركيا بأداة السيادة الوطنية
يمثل الانسحاب الأمريكي رسالة استراتيجية للحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع لكي تطالب علناً وبدعم دولي بانسحاب القوات الروسية والتركية، مستندة إلى انسحاب أول قوة أجنبية. في هذا السياق، تشير التصريحات الأخيرة لوزير الدفاع التركي بأن “الانسحاب من سوريا قرار وطني بحت يخص تركيا نفسها” إلى تعقيد هذا الضغط الدبلوماسي ومقاومة القوى الإقليمية لهذا السيناريو.
3. أزمة الثقة والسابقة التاريخية في ملف داعش
أظهرت الأحداث مثل حادثة تدمر أن واشنطن لم تعد تثق بقدرة السلطة السورية الحالية على إدارة الملفات الأمنية الحساسة. إن نقل أكثر من 3000 سجين سوري من أعضاء داعش إلى العراق لمحاكمتهم بموجب القوانين العراقية يمثل سابقة قانونية وتاريخية. تعني هذه الخطوة سحب الصلاحية من الجهاز القضائي والأمني السوري وتدويل ملف الإرهاب في المنطقة لمنع عودة محتملة لهؤلاء العناصر إلى الميدان.
4. حماية القوات من ردود الفعل الإيرانية المحتملة
مع تزايد احتمال المواجهة المباشرة أو الواسعة مع إيران، تسعى الولايات المتحدة إلى تقليل نقاط ضعفها. يمكن أن تصبح القواعد الصغيرة في سوريا أهدافاً سهلة للهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة. أظهرت تجربة الانسحاب من قاعدة “عين الأسد” في العراق أن استراتيجية الولايات المتحدة هي إخلاء المناطق عالية الخطورة لتجنب الخسائر البشرية في حال نشوب حرب شاملة.
في هذه الحالة، ما نشهده اليوم هو محاولة لإعادة تعريف جوهر الصراع في المنطقة. تسعى الولايات المتحدة، من خلال الانسحاب المادي، إلى الإدارة عن بعد وتفويض الميدان للحلفاء الإقليميين أي إسرائيل والضغط على المنافسين الأوراسيين أي روسيا وتركيا، بينما تحاول في الوقت نفسه تقليل تكاليفها البشرية والسياسية إلى الحد الأدنى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن استراتيجية الانسحاب الأمريكي من سوريا تضع الجولان في فخ سياسي. مع انسحاب الولايات المتحدة وتغير موازين القوى، يزداد احتمال نشوب حرب أهلية داخلية، حيث توفر الولايات المتحدة، من خلال خلق فراغ قوة مُتحكم فيه، مساحة واعية لمثل هذا الصراع الدموي بين الهيكل الحاكم الحالي والجماعات الجهادية الشرعية، وإذا لم ينتصر أهل الدعوة والجهاد وبدأت حرب استنزاف وأيديولوجية، فإن سوريا ستنهار من الداخل ولن تكون لديها القدرة على مقاومة المشاريع الصهيونية.
الكاتب: أبو عُمَر الأردني




