تقابل تحكيم الشريعة مع “الديمقراطية العلمانية” في فكر المصلحين الكبار ومنهج حماس
لقد قيل الكثير وقُدمت تأويلات مختلفة في توضيح الحدود الفاصلة بين التوحيد في السيادة والأنظمة العلمانية المستوردة ولفهم وتأويل كل جماعة وتيار وشخصية، لا بد من دراسة وجهات نظرهم بدقة وعدم فرض وجهة نظرنا عليهم بتحيز.
إذن بين جميع التوجهات والتيارات من أهل الدعوة والجهاد في تاريخ الصحوة الإسلامية المعاصرة، كانت قضية تحكيم الشريعة هي المحور الرئيسي للتمييز بين الإسلام البحت والنماذج العلمانية الغربية. من الإمام حسن البنا إلى سيد قطب وتلاميذ هذه المدرسة في حركة حماس، جميعهم آمنوا بأن الإسلام نظام شامل لا يحتاج إلى استنساخ النماذج العلمانية لإدارة المجتمع، وأن أساسهم الفكري العقائدي كان مبنيًا على رفض الديمقراطية الغربية كـ “دين علماني”.
اعتبر مفكرون مثل الإمام أبو الأعلى المودودي وسيد قطب الديمقراطية الغربية أنها ليست مجرد طريقة حكم، بل منظومة عقائدية يحل فيها “الإنسان” محل “الله” في مقام المشرع.
بالطبع، هذه حقيقة أن في الديمقراطية أو سيادة قوانين الإنسان على الإنسان بدلاً من سيادة قوانين الله على الإنسان، تسود الإنسانية والإنسانية تعني محور الإنسان ومركزيته بدلاً من محور الله ومركزيته والإنسانية هي الأساس العقائدي للعلمانية وهذه العلمانية هي أساس ديمقراطية الكفار العلمانيين التي تُهمش فيها قوانين الشرائع السماوية التي تتعارض مع قوانينهم العلمانية بسهولة، ونحن نشهد دكتاتورية قوانين “الدين العلماني” على الشرائع السماوية.
بناءً على ذلك، سمى سيد قطب (تقبله الله) بتوضيحه لمفهوم “الجاهلية الحديثة”، كل نظام يُسند فيه حق التشريع المطلق لغير الله طاغوتًا. وكان يعتقد أن الإسلام يعني الخضوع لسيادة الله ونفي عبودية الإنسان للإنسان.
اعتبر محمد قطب (رحمه الله) بصراحة أكبر الديمقراطية مبنية على الأغلبية العددية دون مراعاة الشريعة وسماها “الفتنة الكبرى” وهو يرى أن الديمقراطية الغربية تتبع الأهواء النفسية للأغلبية، بينما الإسلام يتبع الوحي.
الإمام حسن البنا تقبله الله فرق بين “روح النظام” و”أدوات الحكم”، وباستخدام مصطلح “لفظي” للديمقراطية، على الرغم من أنه من الناحية العقائدية والمنهجية، مثل أي مؤمن من أهل الدعوة والجهاد، لم يقبل الديمقراطية العلمانية، إلا أنه فرق بين “الفلسفة الغربية للديمقراطية” و”الآليات البرلمانية”.
كان يعتقد أن قواعد النظام البرلماني (مثل مسؤولية الحاكم أمام الشعب وحق الانتخاب) تتوافق مع روح النظام السياسي الإسلامي ومبدأ “الشورى”. إذا اختار الشعب الحاكم لتطبيق الشريعة، فإن هذا البرلمان لم يعد هيئة تشريعية مستقلة عن الله، بل هو منفذ لإرادة وقوانين الرب على الأرض.
حركة حماس، بصفتها أحد الورثة الأمناء لفكر الإخوان المسلمين ومنهج سيد قطب الجهادي، في تعاملها مع ظاهرة الديمقراطية، تتبنى مقاربة “أداتية” و”لفظية”، وليست عقائدية وعلمانية، وإليك إشارة موجزة لهذا التوجه:
– التمييز بين الديمقراطية اللفظية والشرعية: عندما تتحدث حماس عن الديمقراطية، فإنها تقصد سيادة الشعب على مصيره من أجل “تحكيم الشريعة”. فلا شك أن الانتخابات بالنسبة لحماس هي أداة ليختار المؤمنون أفضل الأشخاص لتطبيق أحكام الله بناءً على “وضع ميدان المعركة مع الصهاينة المحتلين”.
– مسألة تطبيق الحدود و”التأويل”: على غرار “إمارة أفغانستان الإسلامية”، تؤمن حماس إيمانًا راسخًا بجميع أحكام الشريعة (بما في ذلك الحدود). عدم تطبيق بعض الحدود علنًا (مثل قطع اليد أو حد الخمر) من قبل حماس لا ينبع من نفي الحكم، بل ينبع من “تأويلات شرعية” تتناسب مع ظروف دار الحرب والوضع الراهن للمجاهدين ووضع الاحتلال الطارئ وترتيب الأولويات في المصالح والمفاسد. الهدف النهائي هو إعداد المجتمع لقبول الشريعة بالكامل في ظل تشكيل دولة إسلامية مستقلة والخضوع الكامل.
أظهر الشيخ أحمد ياسين (تقبله الله) بوقوفه على مبادئ الإسلام الثابتة أن الوجود في الساحات السياسية واستخدام صندوق الاقتراع لا يعني أبدًا قبول القوانين الكفرية والارتدادية. لقد أسس حماس على أساس أن:
1- المرجعية المطلقة: هي للقرآن والسنة فقط.
2- الانتخابات: آلية لمبايعة الشعب لخدام الشريعة.
3- البرلمان: مجلس شورى لتطبيق أفضل للأوامر الإلهية على الواقع القائم.بهذه التوضيحات المختصرة، يجب على أمثال تنظيم الدولة وغيرهم ممن كفّروا حماس بهذه الذريعة أو أوشكوا على تكفيرها، أن يتقوا الله وأن يلتزموا بالعدل والإنصاف تجاه من أثبتوا إيمانهم بشريعة الله بجهادهم ودمائهم، وحتى لو كانوا مخالفين لإخوانهم المجاهدين المعادين لأمريكا والصهيونية، فعليهم أن يقدموا لهم أعذارًا شرعية معتبرة.
الكاتب: مروان حديد (محمد أسامة الديرزوري)




