السنن الكونية لأفول أمريكا وإسرائيل

 

السنن الكونية لأفول أمريكا وإسرائيل

 

الامبراطوريات الكبرى تفرض علينا العودة إلى القوانين الأزلية التي صاغها علم الاجتماع الإنساني، ويعدّ ابن خلدون أول من وضع النقاط على الحروف فيها، حيث تحدث عن أطوار الدول والامبراطوريات، وكيف أن لكل دولة عمرا طبيعيا، يبدا بالنشأة والقوة، ثم يمر بمرحلة التوسع، وينتهي بالشيخوخة والأفول.

واليوم يعيش العالم فصلا جديدا من فصول التاريخ يتجلى في ملامح أفول الامبراطورية الأمريكية التي باتت تتخبط في صراعات دولية معقدة، تعجز عن حسمها أو الخروج منها دون خسائر استراتيجية فادحة، وتشكل المواجهة الحالية مع إيران محطة رئيسية، قد توصف بأنها المسمار الأخير في نعش الهيمنة الأمريكية التي سادت العالم لعقود طويلة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

 

1. تطبيق نظرية ابن خلدون على الواقع الأمريكي والإسرائيلي:

يرى ابن خلدون أن الامبراطوريات عندما تصل إلى مرحلة الأفول تبدأ بالانغماس في الترف والإسراف، وتفقد عصبيتها الرابطة، وتتحول قوتها العسكرية من أداة لحفظ الأمن والتوسع إلى اداة للاستنزاف المالي والبشري، وهذا تماما ما ينطبق على الواقع الأمريكي والإسرائيلي، فالولايات المتحدة التي برعت عبر تاريخها الحديث في إشعال الحروب تجد نفسها اليوم عاجزة تماما عن هندسة استراتيجيات الخروج الآمن، والمشهد التاريخي يعيد نفسه بوضوح: فكما بدأت أمريكا حرب فيتنام، وخرجت منها خاسرة صاغرة، وكما دخلت العراق وأفغانستان وتحملت ترليونات الدولارات من الخسائر دون تحقيق استقرار دائم، ها هي اليوم تدخل المستنقع الإيراني باحثة عن مخرج يحفظ ماء وجهها، بعد أن أثبت النظام الإيراني ثباتا ومؤسساتية لم تتوقعها الدوائر الغربية التي ظنت واهمة أن غياب بعض القادة سيؤدي الى انهيار المنظومة، لتكتشف أن للنظام هناك أسس قوية، وبنية دفاعية وسياسية تعتمد على البدائل الجاهزة والخطط الطارئة في حالات الأزمات الكبرى.

وإسرائيل توسعت في لبنان وسوريا لتجد نفسها أمام شعوب المنطقة وجماعاتها التي تغلي لمواجهتها، فضلا عن احتلالها لأرض ما زال شعبها يدافع عنها بكل ما يملك، وليس آخرها طوفان الأقصى.

 

2. المستنقع الايراني والتخبط الأمريكي:

تقف الإدارة الأمريكية اليوم بين مطرقة رغبتها في انهاء الاستنزاف المالي والعسكري واسترضاء حلفائها الذين باتوا يضيقون ذرعا بتداعيات الحروب المستمرة والاقتصاد المنهك وبين سندان الضغوط الداخلية والخارجية المتمثلة في رغبة رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو في استمرار الحرب وتوسيعها لغايات سياسية وشخصية، وفي هذا الصدد يبرز الوعي الاستراتيجي لبعض القوى الدولية مثل روسيا والصين: حيث يتبعان سياسة واقعية قائمة على المصالح البحتة، ويدركان أن صمود إيران واستنزاف أمريكا في هذه المنطقة يعجل من نهاية القطبية الواحدة، ويسرع في ولادة نظام عالمي متعدد الأقطاب، وهو ما يتماشى مع النظرية الخلدونية في انتقال القوة والملك من أمة إلى اخرى عندما تعجز الأمة المهيمنة عن الحفاظ على توازنها الداخلي والخارجي، وتصبح عاجزة عن فرض إرادتها على الأطراف الأقل قوة منها.

 

3. المخطط الصهيوني:

في خضم هذا الصراع الدولي المعقد تبرز ضرورة ملحة لوعي أبناء الأمة الاسلامية من أهل السنة بأبعاد المخطط الصهيوني الذي يسعى إلى تفكيك المنطقة عبر استراتيجية الاستقطاب الطائفي والاستثمار في ردود أفعال السنة وتوجيههم لمحاربة إيران، فلا ينكر عاقل حجم الفساد والأذى العظيم الذي الحقتة السياسات الإيرانية بالبلاد السنية من سوريا إلى العراق واليمن ولبنان على مدار عقدين ماضيين، وجرح أهل السنة كبير، وغضبهم مشروع، نتيجة الممارسات التي عاثت في الأرض فسادا، وأوجدت احتقانا طائفيا حادا ضد الشيعة، ولكن لم ينفرد الشيعة بالإجرام بنا، وخطورتهم ليست أشد من اليهود والنصارى وعملائهم، فالقراءة العميقة للواقع تقتضي عدم السقوط في فخ الاستدراج الذي خططت له الصهيونية، باطلاق يد إيران سابقا لإحداث شرخ وجرح غائر، ثم الاستثمار اليوم في ردة الفعل للقضاء على الجميع، والاستفراد بباقي دول المنطقة واحدة تلو الاخرى بعد إيران، بناء على سياسة القضم المستمر، التي لن تستثني سوريا ولا غيرها من الدول المسلمة.

 

4. المصلحة العليا للأمة:

إن إعمال العقل وترجيح مصلحة الأمة العليا يتطلب النظرة الشمولية التي تقدم الخطر الأكبر وتتجاهل ما سواه ما دمنا لا نستطيع مواجهة الجميع، فالنظر إلى توازنات القوة يوضح أن تمكين الصهيونية من مفاصل المنطقة لن يكون في مصلحتنا أهل السنة، بل سيفتح الباب على مصراعيه لتصفية بقية القوى الإقليمية.

ومن هنا يتوجب على الدول التي تشكل ثقلا للامة كتركيا وباكستان التيقظ التام والوعي بما يحاك في الخفاء والتعامل بمبدأ المصالح العليا كما تفعل القوى العظمى، فاللحظة الراهنة هي لحظة إدارة الصراع بحكمة ووعي بمخططات التفتيت، لأن انهيار التوازنات الحالية سيجعل الجميع في مرمى الاستهداف، وتاريخ سقوط الدول يؤكد أن الأمم التي تعجز عن

 

تغليب مصالحها العليا على خلافاتها الداخلية تسقط مجتمعة تحت وطاة القوى الخارجية المتربصة بها، والتي لا ترحم ضعيفا ولا تحترم حليفا، فقط عندما تنتهي صلاحيتها في حسابات المصالح الدولية الغربية والصهيونية على حد سواء.

 

5. الأبعاد الاستراتيجية للامن القومي:

انطلاقا من هذه القراءة الجيوسياسية المعقدة، يصبح من الضروري إعادة تعريف دوائر الأمن القومي للقوى الاقليمية الكبرى في الأمة، فالدفاع عن الأمن القومي الباكستاني لم يعد ينحصر داخل حدوده الجغرافية، وإنما يبدا حقيقة من دعم طهران، ومنع سقوطها أمام المشروع الصهيوني، لأن سقوطها يعني نقل المعركة والضغط الى العمق الباكستاني وتطويقه استراتيجيا.

وبالمثل فإن الدفاع عن أمن تركيا الحيوي يبدأ أساسا من أرض الشام، وعبر دعم ثوار الشام الصادقين، والعمل الجاد على الحد من تفرد وفساد الجولاني الذي أضعف الجبهات وشتت الجهود، وإعادة بناء الشام لتكون قوية وقادرة على مواجهة الأطماع الخارجية، فهو الضمانة الحقيقية لأمن تركيا، لأنها خط الدفاع الأول الذي يكسر تمدد المشروع الصهيوني، ويمنعه من استفراد القوى الإقليمية بعضها تلو بعض.

 

6. خاتمة: الوعي والاستعداد:

في نهاية المطاف ومع تسارع خطى الأفول الأمريكي وتكالب المشاريع الدولية يبقى الوعي الاستراتيجي والشعبي هو السلاح الاول لهزم مخططات الصهيونية وتفتيت المنطقة، والاستعداد لكل الاحتمالات.

إن وعي أبناء الأمة بطبيعة المعركة وإدراكهم لسياسة القضم، والاستدراج الطائفي، والاستعداد للجهاد، هي الجدار المتين التي تتحطم عليه كل المؤامرات، فالشعوب والقيادات التي تمتلك وعيا تاريخيا يماثل ما صاغه ابن خلدون تدرك جيدا أن المعارك لا تدار بردود الافعال العاطفية، وإنما بالنظر إلى المآلات والمصالح العليا وعندما يتجذر الوعي والاستعداد في صفوف الأمة، وتتحرك قواها الحية، بناء على رؤية موحدة وشاملة، تسقط كافة مخططات الاستقطاب، وتتحول أزمات الحاضر إلى بوابات للتحرر الحقيقي، وبناء التوازن الجيوسياسي الجديد، الذي يعيد للأمة هيبتها ومكانتها بين الامم، ونواجه به طغيان المشاريع العابرة للحدود، ونحمي به بيضة الاسلام من غدر المتربصين، ومن كل قوى البغي والعدوان، ومخططاتهم المستمرة في إضعاف المنظومة الإسلامية بالكامل لتسهيل التهامها.

إن هذا هو طوق النجاة الوحيد لنا، وهو الذي يؤسس لمرحلة جديدة من القوة والمنعة للأمة كلها.

  • Related Posts

    الجاهلية الثانية، مشروع الشيطان، من يملك حق تعريف الإنسان؟ الله أم الشيطان !؟

    الجاهلية الثانية، مشروع الشيطان، من يملك حق تعريف الإنسان؟ الله أم الشيطان !؟     كيف يُريد الشيطان احتلال مركزية الوحي  عبر الذكاء الصناعي و يعيد تشكيل الإنسان في العصر…

    عصابة الجولاني تطعن بخنجر النفاق في ظهر أهل الدعوة والجهاد في سوريا والمقاومة الإسلامية في فلسطين والمنطقة

    عصابة الجولاني تطعن بخنجر النفاق في ظهر أهل الدعوة والجهاد في سوريا والمقاومة الإسلامية في فلسطين والمنطقة   كان جميع أهل الدعوة والجهاد الصادقين في سوريا يعيشون أسوأ الظروف النفسية…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    الجاهلية الثانية، مشروع الشيطان، من يملك حق تعريف الإنسان؟ الله أم الشيطان !؟

    • من admin
    • مايو 26, 2026
    • 0 views
    الجاهلية الثانية، مشروع الشيطان، من يملك حق تعريف الإنسان؟ الله أم الشيطان !؟

    عصابة الجولاني تطعن بخنجر النفاق في ظهر أهل الدعوة والجهاد في سوريا والمقاومة الإسلامية في فلسطين والمنطقة

    • من ezqassam
    • مايو 26, 2026
    • 1 views
    عصابة الجولاني تطعن بخنجر النفاق في ظهر أهل الدعوة والجهاد في سوريا والمقاومة الإسلامية في فلسطين والمنطقة

    الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الفلسطيني محمود عباس وجهان لعملة واحدة في العمالة للأعداء والخيانة للمسلمين

    • من ezqassam
    • مايو 26, 2026
    • 1 views
    الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الفلسطيني محمود عباس وجهان لعملة واحدة في العمالة للأعداء والخيانة للمسلمين

    حكومة الجولاني في سوريا تمثل الفساد والخيانة لأهل الدعوة والجهاد والثورة

    حكومة الجولاني في سوريا تمثل الفساد والخيانة لأهل الدعوة والجهاد والثورة

    من “الكفر بالطاغوت” لدى الجولاني وعصابته إلى “خدمة أمريكا” وحراسة الحدود والترحيب بالصهاينة

    من “الكفر بالطاغوت” لدى الجولاني وعصابته إلى “خدمة أمريكا” وحراسة الحدود والترحيب بالصهاينة

    السنن الكونية لأفول أمريكا وإسرائيل

    • من admin
    • مايو 26, 2026
    • 2 views
    السنن الكونية لأفول أمريكا وإسرائيل