بين الشك المرضي وحرب الجواسيس، أكرم معوضة وما يكشفه ملفه عن قدرة القاعدة في اليمن على إدارة الخوف من الداخل

بين الشك المرضي وحرب الجواسيس، أكرم معوضة وما يكشفه ملفه عن قدرة القاعدة في اليمن على إدارة الخوف من الداخل

 

 

في ملف تنظيم القاعدة في اليمن، لا تبدو الانشقاقات والاتهامات بالجاسوسية مجرد حوادث داخلية عابرة. نحن أمام سؤال أعمق يخص بنية التنظيمات المطاردة، متى يكون الاتهام بالاختراق مؤشراً على حرب استخباراتية حقيقية، ومتى يتحول إلى شك مرضي ينتجه الضغط والخوف وتآكل الثقة؟

 

القراءة السطحية، التي يدفع بها خصوم التنظيم غالباً، تذهب إلى أن القاعدة في اليمن تعيش حالة ذعر أمني، ولذلك ترى الجواسيس في كل مخالف أو منشق. غير أن هذه القراءة، على سهولتها، لا تكفي لتفسير كامل المشهد، وقد تكون أقرب إلى التوصيف الدعائي منها إلى التحليل الدقيق.

 

فلو كان التنظيم قد دخل حالة شك مرضي شامل، لكان متوقعاً أن يتعامل مع كل من خرج عليه أو عارضه أو كشف شيئاً من داخله بوصفه خطراً أمنياً مباشراً. غير أن المعطيات المتاحة لا تقول ذلك بهذه البساطة.

 

من أبرز الأمثلة على ذلك رياض العسيري، وهو من الأسماء التي خرجت من داخل التنظيم وقدمت رواية نقدية صريحة عن تجربتها معه. فالعسيري لم يكتفِ بالابتعاد الصامت، بل عبّر عن اعتراضات واضحة على مسار التنظيم وبعض ممارساته الداخلية، ومع ذلك بقي، وفق المعطيات المتاحة، يتحرك لسنوات بعد خروجه من دون أن يظهر ما يثبت أن التنظيم تعامل معه بوصفه ملفاً أمنياً. هذه الحالة تضعف فرضية أن مجرد المعارضة أو الخروج من التنظيم يكفيان لتحويل صاحبهما تلقائياً إلى متهم بالجاسوسية.

 

وفي حالة أبي عمر رياض النهدي، الذي ارتبط اسمه بخلافات وانشقاقات داخلية، لم تتحول حالته بدورها إلى خصومة مفتوحة، رغم أن خلافه مع التنظيم لم يكن عابراً. فقد تردد اسمه في سياقات سفر واتصالات واجتماعات خارج اليمن، وارتبط بشخصيات دينية مؤثرة تبنت توجهات مخالفة لتنظيم القاعدة، ومع ذلك لم يتعامل التنظيم معه، وفق المعطيات المتاحة، بوصفه ملف جاسوسية.

 

هذه الملاحظة لا تبرئ التنظيم من القسوة، ولا تمنح جهازه الأمني صك نزاهة، لكنها تضعف فرضية أن كل اتهام بالجاسوسية داخل القاعدة هو مجرد هلع تنظيمي أو خصومة عمياء، وتشير إلى وجود قدر من الانتقائية الأمنية وعدم التسرع في تحويل كل خلاف إلى ملف تجسس.

 

وفي حالة أكرم معوضة تحديداً، تصبح المسألة أكثر حساسية. فبحسب الرواية التي قدمها التنظيم في مواده المرئية، لم يكن معوضة حالة طارئة على بيئة التنظيم، ولا اسماً عابراً وقع عليه الاشتباه فجأة. نحن أمام شخصية تحركت لسنوات داخل اليمن، واحتفظت بهامش حركة واتصال تحت عين التنظيم نفسه في كثير من الوقت. ومع ذلك، لم يتعامل التنظيم معه مبكراً بوصفه هدفاً أمنياً مباشراً.

هذه النقطة مهمة تحليلياً. فلو كان التنظيم يرى الجاسوس في كل مخالف، لكان مسار معوضة مختلفاً منذ وقت مبكر. لكن المعروض في سردية التنظيم يوحي بأن الاشتباه لم يتحول إلى إجراء حاسم إلا بعد تراكم ما وصفه التنظيم بقرائن ومعطيات تنقل الحالة من دائرة الخلاف أو الاعتراض إلى دائرة التعاون الأمني مع طرف خارجي.

 

من هنا يصبح السؤال البحثي أكثر دقة.

 

ففي دراسة التنظيمات المسلحة، لا يكفي أن تُقرأ هذه الكيانات من خارجها فقط، أو عبر سرديات خصومها وحدها. الفهم الأعمق يبدأ من قراءة آلياتها الداخلية، كيف تبني الثقة، كيف تعالج الاختراق، كيف تميّز بين الخلاف والعمالة، وكيف تقدّم نفسها أمام عناصرها وبيئتها القريبة بوصفها كياناً منضبطاً لا مجرد سلطة خوف.

 

فهل نحن أمام تنظيم مأزوم أمنياً، أم أمام جهاز داخلي يحاول، ولو ضمن بنية مغلقة، أن يضع عتبة فاصلة يميز بها بين الاعتراض المشروع، والاعتراض المدفوع، والاصطفاف المضاد، من ناحية، والعمل الاستخباراتي ضده من ناحية أخرى؟

الأرجح أن تنظيم القاعدة في اليمن يبدو حريصاً على امتلاك آلية ضبط داخلي تمنعه من الاندفاع خلف تحويل الضغط الاستخباراتي عليه إلى شك مرضي يطال كل مخالف له.

 

بهذا المعنى، لا تكشف قضية معوضة عن شخص واحد فقط، بل عن معادلة أوسع داخل التنظيمات المطاردة، حين تصبح الحرب الاستخبارية جزءاً من بنية التنظيم نفسه، وحين يتحول التفريق بين المنشق والجاسوس إلى اختبار حقيقي لقدرة الجهاز الداخلي على إدارة الخوف دون أن يتحول إلى سلطة شك مطلقة.

 

إعداد: الدكتور متولي عبد المنعم المنياوي

 

  • Related Posts

    أيُّ سوريةٍ تريد إسرائيل؟ فرصة تاريخية لسوريا… أم فرصة تاريخية لإسرائيل؟

    أيُّ سوريةٍ تريد إسرائيل؟ فرصة تاريخية لسوريا… أم فرصة تاريخية لإسرائيل؟   يقول وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني: «نمدّ يدنا للدبلوماسية مع إسرائيل، وعليها اغتنام هذه الفرصة التاريخية». ويقول إن…

    مسلوب الإرادة وفاقد الكرامة لا حقوق ولا سيادة له، فاصفعني، وخذ ديناراً

    مسلوب الإرادة وفاقد الكرامة لا حقوق ولا سيادة له، فاصفعني، وخذ ديناراً     يقصفونه ليلاً ويدمّرون مقدّراته ويحتلّون أرضه ويستهدفون ثكناته ويكسرون تحالفاته التي لا تعجبهم ويحدّدون له المسموح…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    أيُّ سوريةٍ تريد إسرائيل؟ فرصة تاريخية لسوريا… أم فرصة تاريخية لإسرائيل؟

    • من admin
    • أغسطس 24, 2026
    • 1 views
    أيُّ سوريةٍ تريد إسرائيل؟ فرصة تاريخية لسوريا… أم فرصة تاريخية لإسرائيل؟

    مسلوب الإرادة وفاقد الكرامة لا حقوق ولا سيادة له، فاصفعني، وخذ ديناراً

    • من admin
    • أغسطس 24, 2026
    • 1 views
    مسلوب الإرادة وفاقد الكرامة لا حقوق ولا سيادة له، فاصفعني، وخذ ديناراً

    المصلحون ومعتقلوا الرأي في ادلب مغيبين في سجون العميل الجولاني بلا محاكمة ولا محام دفاع ولا تهم معتبرة ولا أدنى حقوق

    • من admin
    • أغسطس 24, 2026
    • 1 views
    المصلحون ومعتقلوا الرأي في ادلب مغيبين في سجون العميل الجولاني بلا محاكمة ولا محام دفاع ولا تهم معتبرة ولا أدنى حقوق

    سوریا، بيان رسمي لجماعة “أجناد بيت المقدس”

    • من admin
    • أغسطس 24, 2026
    • 2 views
    سوریا، بيان رسمي لجماعة “أجناد بيت المقدس”

    الحرب الزائفة بين حكومتي تركيا العلمانية والكيان الصهيوني والحرب الحقيقية ضد المجاهدين الصادقين والمستقلين فی سوريا

    الحرب الزائفة بين حكومتي تركيا العلمانية والكيان الصهيوني والحرب الحقيقية ضد المجاهدين الصادقين والمستقلين فی سوريا

    اتفاقية مكة الثلاثية وتحالف الجولاني لمحاربة الإرهاب: إعادة إنتاج مشروع دار الندوة في الجبهة الأمريكية والصهيونية

    • من alUrduni
    • أغسطس 24, 2026
    • 2 views
    اتفاقية مكة الثلاثية وتحالف الجولاني لمحاربة الإرهاب: إعادة إنتاج مشروع دار الندوة في الجبهة الأمريكية والصهيونية