توقيت إعلامي مدروس بهدف توجيه الرأي العام بعيدا عن جذر المشكلة الحقيقية في سوريا المحتلة
تواجه السلطة في فترات الأزمات ضغوطا شعبية متزايدة تهدد استقرارها السياسي والاجتماعي، وتبرز آليات التعامل مع الغضب العام كأداة رئيسية للحفاظ على السلطة، حيث نلاحظ نمطا متكررا يعتمد على توقيت إعلامي مدروس لإخراج ملفات حساسة أو الإعلان عن اعتقال شخصيات بارزة ارتبطت بانتهاكات سابقة عقب كل إخفاق خدمي أو غليان شعبي، بهدف توجيه الرأي العام بعيدا عن جذر المشكلة الحقيقية.
1. توظيف الملفات الأمنية لمكاسب شخصية:
إن التتبع الزمني للأحداث في مختلف مناطق السيطرة السورية يظهر تلازما واضحا بين ذروة الاحتجاجات الشعبية وبين صدور إعلانات كبرى تمس الوجدان العام السوري، فعندما تتصاعد المطالب المحقة في الشارع أو تبرز ملفات الفساد والتقصير الخدمي تظهر الحاجة الأمنية والسياسية إلى صناعة حدث مواز يمتص الشحنات الغاضبة ويحول النقاش من نقد الأداء الحكومي إلى قضايا وطنية أو جنائية كبرى كانت مؤجلة في أدراج الأجهزة الأمنية لفترات طويلة حتى يحين وقتها.
2. توجيه الرأي العام عبر منصات التواصل:
تعتمد هذه الإستراتيجية على فهم دقيق لآليات عمل الفضاء الرقمي وسيكولوجية الجماهير السورية التي تعاني من صدمات متتالية نتيجة سنوات الحرب، فالشارع الذي يغلي بسبب قرارات اقتصادية مجحفة كرفع أسعار المحروقات وتدهور القيمة الشرائية أو بسبب الفشل في إدارة الكوارث الطبيعية والخدمية يتم جذبه فجأة نحو عواصف فيسبوكية مصطنعة تبحث في مصير مجرمين سابقين أو شخصيات جدلية مما يؤدي إلى تشتيت الانتباه الجمعي وإخماد الحراك المطلبي قبل أن يتطور إلى تهديد حقيقي لبنية السلطة.
3. الملفات الأمنية رصاص في ذاكرة الشعب:
تشير التحليلات إلى أن الإعلان المتأخر عن القبض على بعض الرموز أو الكشف عن قضايا حساسة بعد وقوع الأزمات بأيام قليلة لا يبدو حدثا وليد المصادفة، بل يعكس سياسة الاحتفاظ بأوراق ضغط وأدوات مناورة، يتم ادخارها للأوقات الحرجة، فالمنظومات التي تدير المشهد تدرك أن كشف جميع الأوراق دفعة واحدة يفقدها القدرة على السيطرة مستقبلا، لذا يتم التعامل مع هذه الملفات كصمامات أمان لتنفيس الاحتقان الشعبي.
4. انعكاسات الوعي الشعبي على استمرارية المنظومة الحاكمة:
رغم نجاح هذه التكتيكات في تجاوز بعض العقبات الآنية إلا أن التكرار الرتيب لهذا النمط بدأ ينتج وعيا مضادا لدى شريحة واسعة من المجتمع حيث بات المواطن السوري يربط بشكل تلقائي بين أي إعلان أمني مثير وبين وجود فشل خدمي أو اقتصادي او فضيحة سياسية تحاول السلطة التغطية عليه وهذا الوعي المتشكل يسهم في تعرية الأدوات الالتفافية ويضع كفاءة الحكومات ومصداقيتها على المحك على المدى الطويل ويثبت أن الإدارة عبر الصدمات الإعلامية لا يمكن أن تكون بديلا عن الإصلاح الحقيقي وتلبية الحقوق المشروعة.
وأخيراً: تراجع فاعلية المسكنات المؤقتة:
إن المحصلة النهائية لتكرار هذه المناورات الإعلامية لم تعد تحقق النتائج المرجوة منها في السابق، بسبب وجود شبكة أمان معرفية وعي جمعي لدى السكان على كامل التراب السوري، فالمجتمع الذي واجه الصعاب لسنوات بات يمتلك القدرة الفائقة على قراءة ما وراء الأحداث، والربط الذكي بين توقيت الأزمات المعيشية وظهور الملفات الأمنية المفاجئة، وهذا التحول الإيجابي في الوعي المجتمعي يثبت أن محاولات الالتفاف والتلاعب بالعواطف لم تعد تنطلي على معظم الشارع الذي أصبح يطالب بحلول جذرية مستدامة وإصلاحات مؤسساتية حقيقية، بدلا من الركون إلى معالجات إعلامية مؤقتة صممت لتأجيل استحقاقات الإصلاح.




