تدهور الأوضاع المعيشيّة و احتقان شعبي و إدارة الأزمات وتوجيه الرأي العام في سوريا
تشهد سوريا حالو احتقان شعبي نتيجة تدهور الأوضاع المعيشيّة، وتسعى السلطة لتوجيه الرأي العام إلى قضايا جانبية، لتخفيف الاحتقان، وإشغال المجتمع عن القضايا الأساسية، والأزمات الاقتصادية.
1.استغلال الأحداث كمتنفس للاحتقان:
تعتبر الرياضة والأنشطة الجماهيرية بيئة خصبة لتفريغ الشحنات العاطفية والغضب المتراكم لدى الشارع، نظرا لما تتمتع به من قاعدة شعبية واسعة وتفاعل مباشر، خاصة مع وجود قرارات تحكيمية مثيرة للجدل.
إن تحويل التنافس الرياضي إلى ساحة للتوتر والفوضى يخدم في كثير من الأحيان التوجهات الساعية إلى إلهاء الشارع فالأحداث التي تعقب المباريات من مشاحنات واشتباكات تسيطر على نقاشات وسائل التواصل الاجتماعي وتصبح الشغل الشاغل للمواطنين لأيام أو أسابيع مما يسهم بشكل مباشر في التغطية على الأزمات الأكثر إلحاحا مثل انقطاع التيار الكهربائي، ونقص المياه وتدهور القوة الشرائية.
2. سياسة صناعة الحدث وتكتيكات الإلهاء الممنهج:
تعتمد إدارة الأزمات على تكتيكات مجهزة سلفا للتعامل مع أي تصاعد في وتيرة الاحتجاجات أو المطالب الشعبية بالإصلاح، وتتنوع هذه التكتيكات بين إثارة ملفات أمنية قديمة أو تسليط الضوء على قضايا فساد فرعية أو افتعال أزمات خدمية مقننة، مثل التلاعب بمدد توفر الإنترنت أو توزيع المحروقات.
هذا الأسلوب يهدف بالدرجة الأولى إلى حصر تفكير المواطن في تأمين الاحتياجات اليومية الأساسية والبقاء في حالة قلق مستمر مما يستنزف طاقته ويمنعه من التركيز على المطالبة بالحقوق السياسية أو محاسبة المسؤولين عن الفساد المؤسسي وتظهر التجارب المتكررة أن كل مأزق تواجهه القوى المسيطرة يتبعه غالبا حدث صاخب يعيد ترتيب أولويات الرأي العام ويوجه الأنظار بعيدا عن أصل المشكلة.
3. التناقض في معايير التمكين والإقصاء المؤسسي:
من أبرز المظاهر التي تثير الاستياء الشعبي هو غياب المعايير الموحدة في التعيينات وإدارة المؤسسات حيث تتبع بعض الجهات سياسة إقصاء الكفاءات الثورية تحت ذريعة عدم امتلاك المؤهلات العلمية أو الشهادات الأكاديمية المطلوبة في حين يتم التغاضي عن هذه الشروط تماما عندما يتعلق الأمر بتسويات سياسية أو دمج تشكيلات قسد وغيرها ضمن هياكل الإدارة، حيث أن الجولاني أقصى الثوار بحجة عدم امتلاكهم شهادات دراسية ولكن سيقبل دمج عناصر قسد الذين اعطتهم قسد شهادات من جامعة الحسكة ليتم دمجهم.
هذا التناقض يوضح أن الهدف الأساسي من هذه الإجراءات ليس بناء مؤسسات مهنية قائمة على الكفاءة، بل تمكين الولاءات وضمان السيطرة الأمنية والعسكرية الكاملة، حيث يتم استخدام الشهادات والمؤهلات كأداة إقصاء سياسي ضد المعارضين والمستقلين، بينما تمنح التسهيلات والمؤهلات الصورية لمن يخدمهم.
4. دور الوعي الشعبي في تفكيك سياسات التوجيه:
رغم استمرار المحاولات لإشغال الشارع السوري، وإدخاله في دوامة من الأزمات المفتعلة، فإن سنوات الحراك الطويلة ساهمت في تشكيل وعي جمعي قادر على قراءة الأحداث وتحليل خلفياتها، ولم تعد الكثير من التكتيكات التقليدية تنطلي على المجتمع الذي بات يدرك الرابط بين توقيت الأزمات الخدمية أو الفوضى المجتمعية وبين الأزمات السياسية التي تواجهها السلطات.
إن مواجهة هذه السياسات تتطلب حذرا مستمرا من الانجرار وراء محاولات إثارة الفتنة والإشاعات، والتركيز الدائم على القضايا المصيرية، والجذور الحقيقية للأزمة السورية، والمتمثلة في غياب العدالة والمحاسبة، وغياب المؤسسات الشفافة، التي تخدم المواطن، بدلا من استغلاله للحفاظ على مكاسب فئوية ضيقة.




