رسالة من المولانا أمير الإسلام، عالم مسجون لـ ٢٦ سنة في سجون بنغلاديش!
إلى إخواني الأحباء في الدين، وطلابي الأعزاء، وقرائي الأفاضل، وكل محبٍّ وداعم،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
من بين هذه الجدران الأربعة المظلمة والباردة في السجن، قضيتُ اليوم ٢٦ عامًا كاملة. ٢٦ عامًا! إنها ثلث عمرٍ طويل. اليوم، حين رفعتُ قلمي المرتجف المكبل، تحدرت دموعي لتبلل الصدر الجاف لهذه الورقة. اليد التي طالما كتبت رسالة الإسلام السامية، ونور العلم الشريف، ودعوة التوحيد، باتت اليوم مغلولة بالأغلال. والعينان اللتان طالما حلمتا بخير الأمة وصلاحها، تائهتان منذ ٢٦ عامًا تتفقدان الفراغ من خلف القضبان الحديدية.
في يومٍ من الأيام، خطّ قلمي المأساة الحزينة لـ “أسيرة الليل الدامس”، والصرخة الفاجعة لـ “حسناء فلسطين”. واليوم، في مفارقة مؤلمة من مفارقات القدر، أجدني أنا نفسي أسيرًا دائمًا في ليلٍ دامس منذ ٢٦ عامًا! ٢٦ ربيعًا مرت دون أن أراها؛ لم أرَ كيف تشرق شمس الصباح، ولا كيف يتوارى ضوء الشفق. إن الفتوة والنشاط اللذين بذلتهما في خدمة الدين، قد انتزعهما هذا القفص الحديدي ليلقي بي على أعتاب الشيخوخة. لقد ابيضّ شعر رأسي ولحيتي، وتجعد جلد جسدي، لكن هذه الجدران القاسية لم تتغير قيد أنملة.
أتذكر أريج التراب المألوف في “شريبور” بـ “غازيبور”، وساحات معهد “جامعة أنوارية” بـ “بورمي” الحافلة بالحياة، وتلك الأيام الذهبية في “دار العلوم ديوبند”. في كل منطفٍ من مناطف الحياة، حاولت العقبات الاقتصادية إيقافي، لكن عطش العلم لم يسمح لي بالتوقف بفضل من الله ورحمته. حين كنتُ أجلس على كرسي التدريس وأنظر في أعينكم البريئة، كنتُ أرى بريق النور ينبعث منها… واليوم، في هذه الزنزانة الهادئة منذ ٢٦ عامًا، تشتاق نفسي لملامحة تلك الوجوه بشدة. ٢٦ عامًا لم أستطع فيها أن أضع يدي على رأس طالبٍ لأدعو له، ولا أن أقف في رواق مدرسةٍ لألقي درسًا في الحديث النريف.
عائلتي، وفلذات كبدي الذين تركتهم أطفالًا لا يعقلون، قد كبروا اليوم بعيدًا عن ظلي. وأمي الطاعنة في السن، وشريكة حياتي، تنتظرن مقدمي كالظمآن منذ ٢٦ عامًا. أي ألمٍ أعظم من أن تُنتزع من إنسانٍ ٢٦ سنة من عمره ظلمًا وعدوانًا؟ أعلم أنكم تبكون لأجلي، وترفعون أكف الضراعة إلى الله لفك أسري. إن دموعكم ودعاءكم لن يذهبا سدى؛ فدمعة المظلوم تهتز لها أركان العرش.
يا أيها القراء الأفاضل، والطلاب الأعزاء، وأبناء الوطن الأوفياء!
هل كانت جريرتي الوحيدة كعالمٍ ومدرسٍ ومؤلف أنني أردتُ أن أهدي المجتمع طريق النور؟ تزدين رفوف المكتبات اليوم بـ ٣٥ كتابًا من مؤلفاتي، بينما كاتب تلك الكتب يموت بطئًا في كوةٍ مظلمة منذ ٢٦ عامًا. إلى متى؟ وإلى متى سأظل حبيسًا في هذا القفص المنعزل؟ أليس لدموعي الطويلة خلال ٢٦ عامًا أي قيمة لدى أصحاب الضمائر الحية؟ ألا تبتغون نهايةً لهذا العمر المأسور؟
في وحشة هذا السجن، ليس لي من أنيسٍ إلا الله، وأنا راضٍ بقضائه وقدره. ولكنني كإنسان، وكإنسانٍ مظلوم، أتوجه اليوم إليكم، وإلى أبناء الوطن كافة، وإلى الضمير العالمي بنداءٍ خافق: أنْ أَنْهُوا هذا الأسر الذي طال ٢٦ عامًا. دعوني أعود إلى عائلتي، وإلى طلابي، وإلى قلمي الحبيب. ارفعوا أصواتكم عاليةً من أجل حريتي.
إن مع العسر يسراً، وكلما ادلهمّ الليل زاد قرب الفجر. إن دعواتكم ومحبتكم هما رمقي الأخير للبقاء على قيد الحياة.
المحتاج إلى دعواتكم،
المولانا أمير الإسلام
من الزنزانة المظلمة بعد ٢٦ عامًا من الأسر.




