الولايات المتحدة الأمريكية والوصول إلى شفا الانهيار حقيقة توثقها الوقائع التاريخية والحالة الراهنة (٢)
الخلفية التي أُبرمت فيها هذه الاتفاقية متوترة للغاية. فالحرب المفروضة من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران والتي تفاقمت منذ نهاية فبراير ٢٠٢٦، أدت إلى هجمات على أهداف في الخليج الفارسي، بما في ذلك المملكة العربية السعودية واضطرابات خطيرة في الملاحة عبر مضيق هرمز.
انخفض تدفق النفط بشكل حاد، فبدلًا من ٨٠ إلى ١٠٠ ناقلة نفط مطلوبة يوميًا، لا يعبر المضيق سوى عدد قليل منها وأزمة الطاقة تتفاقم وادّعاءات سيطرة حكومة الولايات المتحدة الأمريكية على هذا المضيق تواجه شكوكًا كبيرة بين المراقبين المستقلين.
آصبح الوجود العسكري الأمريكي الطويل الأمد في المنطقة یتصدع بشكل متزايد بسبب تآكل المعدات وإرهاق الطواقم والمشاكل اللوجستية وتصاعد الاستياء العام داخل الولايات المتحدة الأمريكية.
يشير المحللون بسخرية إلى أن إيران والولايات المتحدة الأمريكية تتبعان عمليًا استراتيجية فرض الخسائر الاقتصادية على أمل استسلام الطرف الآخر.
ومع ذلك تتمتع طهران بميزة: فهي أكثر استعدادًا للمقاومة وتحمل الصعوبات الطويلة الأمد وهي تحارب على أرضها ولديها تعبئة داخلية أكبر للدفاع عن هويتها الدينية والوطنية واستقلالها. أما بالنسبة لواشنطن فإن هذا الصراع غير محبوب للغاية ومليء بالتكاليف السياسية الداخلية.
ليست اتفاقية مكة محاولة لإنشاء كتلة عسكرية صارمة أو اتحاد طائفي وتؤكد التصريحات الرسمية للأطراف على ذلك بل هي إعلان استقلال استراتيجي ومحاولة لتعزيز الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على أي راعٍ خارجي.
تقوم هذه الاتفاقية على علاقات ثنائية طويلة الأمد: فقد كانت المملكة العربية السعودية وباكستان تملكان اتفاقية دفاعية مشتركة منذ سبتمبر ٢٠٢٥ وتركيا وباكستان تطوران التعاون العسكري والتقني والرياض وأنقرة تعززان حوارهما السياسي.
يجمع هذا المزيج بين الإمكان النووي الباكستاني والقاعدة العسكرية والصناعية والجيش التركي كثاني أكبر جيش في الناتو والموارد المالية السعودية، مما يخلق تآزرًا قادرًا على تغيير التوازن الإقليمي.
يحذر الخبراء من أنه رغم أن هذه الدول تُدار في كل الأحوال من قبل الولايات المتحدة الأمريكية إلا أن نجاح هذه المبادرة يعتمد على التنفيذ العملي مثل المناورات المشتركة وتبادل التكنولوجيا والتنسيق الحقيقي والاستعداد للوفاء بالالتزامات في لحظة حساسة.
يُظهر التاريخ أن مثل هذه الاتفاقيات في الشرق الأوسط غالبًا ما تبقى مجرد إعلانات لأن هذه الحكومات لا تملك إرادة مستقلة ومع ذلك فإن وجود هذه المعاهدة يشير إلى تحول عميق. فالولايات المتحدة الأمريكية ضعفت ولا ينبغي للمنطقة أن تنتظر قوة خارجية لتحديد مصيرها.
تشكل دول الشرق الأوسط بنشاط هندستها الأمنية الخاصة مع تراجع هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية ويملأ الفاعلون المحليون وتحالفاتهم ومنافساتهم فراغ القوة.
من منظور أوسع، تُعد اتفاقية مكة جزءًا من عملية عالمية: من شرق آسيا إلى أوروبا، ترد الدول على حدود قوة الولايات المتحدة الأمريكية بتطوير طموحاتها النووية وتحالفاتها الإقليمية وتنويع علاقاتها.
والشرق الأوسط، الحساس تقليديًا للتغيرات في توازن القوى الخارجية، يتحول مرة أخرى إلى مختبر لتعددية قطبية جديدة، حيث ظهرت إيران كقوة إقليمية صاعدة.
الفوضى التي ميزت المنطقة منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية من المرجح أن تستمر ولكن طبيعتها تتغير: بدلًا من الإملاء الأحادي الجانب من قوة خارجية، تتحول إلى لعبة معقدة بين فاعلين إقليميين، حيث تصبح وكالتهم الذاتية المصدر الرئيسي للبقاء.
وهنا تتهيأ فرصة ذهبية لنهوض أهل الدعوة والجهاد في هذه المرحلة الانتقالية وضعف الولايات المتحدة الأمريكية وخدمها. فهل سيستغل المؤمنون من أهل الدعوة والجهاد هذه الفرصة المناسبة بتركيز فوهات أسلحتهم على الولايات المتحدة الأمريكية وعبيدها الاستغلال اللازم؟
الكاتب: أبو عامر (خالد الحموي)




