القصف الإسرائيلي على قاعدة أبو الظهور الجوية و”اللعب بالنار” الذي قد يخرج عن السيطرة في سوريا (٢)
يبدو أن اتفاقية مكة تكون أكثر من مجرد إعلان. فهي تجمع ثاني أكبر جيش في الناتو (تركيا) والقوة النووية الوحيدة الحاكمة للمسلمين (باكستان) ولاعبًا ماليًا رئيسيًا في الخليج الفارسي (المملكة العربية السعودية) وقد وصل أسعد الشيباني اليوم إلى باكستان للانضمام إلى مثل هذه المعاهدة.
تكون صياغة هذه الاتفاقية متماثلة للمادة الخامسة من الناتو. وُلدت هذه الاتفاقية في خلفية الحرب التي أشعلتها إسرائيل مع إيران، وتراجع موقع الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، وفي ظل «محور المقاومة» المتوافق مع إيران، وكذلك رغبة الدول الحاكمة على أهل السنة في إنشاء ثقل موازن خاص بها.
أعلنت تل أبيب، كعادتها، فورًا أن «المحور السني» يهدد إسرائيل ويحدّ من حرية عملها، خاصة إذا انضمت إليه سوريا.
هل لاحظتم؟ أول من استخدم عبارة «المحور السني» هي إسرائيل. فماذا يعني ذلك؟ يعني أنها تريد إبراز الحرب الشيعية-السنية وتوسيع مشروع «فرّق تَسُد» وشغل أنظار المسلمين الشيعة والسنة بعضهم ببعض حتى يغفلوا عن العدو الرئيسي الكافر المحارب والمحتل الأجنبي أي الصهاينة والولايات المتحدة الأمريكية.
اعتبرت أنقرة هذا الهجوم الإسرائيلي محاولة لإضعاف مصداقية تركيا كحليف لسوريا، وإشارة لأردوغان قبل زيارته المخططة إلى دمشق (أول زيارة له بعد سقوط الأسد).
قال مطّلعون في تركيا صراحة: «هذه طريقة لإخبار أردوغان بأنه لن يُسمح له بالشعور بالراحة في سوريا».
يقدّم نتنياهو، في أحدث منعطف في حرب السلطة الخاصة به، أردوغان كعدو لإسرائيل وتركيا كتهديد (إيران ثانية) ووفق رؤية نتنياهو، فإن قصف سوريا يُظهر قوته.
في الوقت نفسه تريد تل أبيب اختبار مدى جدية حكومة ترامب في دعم اتفاقية مكة، وما إذا كانت هذه المعاهدة ستكبح إجراءات إسرائيل أم لا.
ومع ذلك تملك تركيا قدرات رادارية تغطي النشاط الجوي الإسرائيلي حتى الجنوب، ووفق المصادر لم تفاجأ. فقد تتبّع الأتراك في البداية تحليقات الطائرات الإسرائيلية.
وهناك أيضًا تقارير عن تدخل أمريكي عاجل ولكن أنقرة تفسّر رفض إسرائيل استخدام خط الهاتف على أنه استفزاز متعمد: «إنهم يلعبون بالنار» ويتذكرون عام ٢٠١٥ عندما أسقطت تركيا طائرة روسية.
الانتخابات في تركيا عام ٢٠٢٨ والانتخابات الإسرائيلية (أكتوبر ٢٠٢٦) تزيدان الضغط السياسي.
من الناحية الجيوسياسية، الوضع كلاسيكي لسوريا ما بعد الحرب. تسعى إسرائيل للحفاظ على منطقة نفوذ عبر التفوق الجوي والهجمات الاستباقية وتركيا عبر الوجود البري وإعادة البناء العسكري والدبلوماسية.
كلا الطرفين حليف للولايات المتحدة الأمريكية، لكن استنادًا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «يُوشِكُ أن تَدَاعَى عليكم الأممُ من كلِّ أُفُقٍ، كما تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها» (الألباني، صحيح الجامع ٨١٨٣) فإن مصالحهما في سوريا متضاربة إلى حد ما واتفقية مكة إذا نُفّذت (واحتمال تنفيذها ضد إسرائيل ضعيف لأنها شُكّلت للحفاظ على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في مواجهة المحور الإيراني) ستعزز موقع تركيا وتجعل أي هجوم على أهداف مرتبطة بتركيا مكلفًا أكثر لإسرائيل.
الهجوم على أبو الظهور ليس حادثًا منفصلًا، بل جزء من حملة إسرائيل المستمرة لتقييد إعادة بناء القدرات العسكرية السورية تحت المظلة التركية.يختبر هذا الهجوم حدود تحمّل أنقرة وردّ فعل واشنطن وإرسال إشارة إلى الهندسات الأمنية الإقليمية الجديدة.
حتى الآن تجنب الطرفان المواجهة المباشرة ولكن قطع قنوات الاتصال والخطاب العدواني الإسرائيلي يزيدان احتمال وقوع التوتر وهذا «اللعب بالنار» يمكن أن يخرج عن السيطرة بسرعة.
الكاتب: أبو عامر (خالد الحموي)




