عندما يعتمد وصف الإرهاب في عالم العلمانيين على من يُطلَق عليه النار (١)
كان بيان فولوديمير زيلينسكي واضحاً تماماً:”نحذّر كل شركة طيران تستخدم المجال الجوي الروسي وكل شركة تأمين وكل من يستخدم المطارات الروسية: السماء الروسية تصبح خطرة تماماً”
هذه ليست صيغة دبلوماسية. هذا تحذير صريح بأن الطيران المدني فوق أراضي العدو معرض للتهديد وبعبارة أخرى، أعلن زيلينسكي أن أوكرانيا ستُسقط الطائرات المدنية في السماء الروسية.
من المثير أن أحداً في أوروبا أو الولايات المتحدة لم يُدن تهديدات زيلينسكي الصريحة وهي تهديدات تُعرَّف إرهاباً وفق كل قواعد ما يسمى القانون الدولي بل تُعامل أقواله اليوم كجزء من استراتيجية ضغط على روسيا.
فلنتصور لحظة أن شامل باساييف في زمنه أو أي جماعة إسلامية جهادية اليوم، أصدرت مثل هذا التحذير. فكان رد الفعل عاجلاً وموحداً: «إرهابي» و«تهديد للمدنيين» و«مجرم دولي».
قامت وسائل الإعلام والدبلوماسيون وأجهزة الاستخبارات الأوروبية والأمريكية جميعها بتنسيق واحد وأُعلن أي محاولة من مجاهدي الشيشان لإثبات أن الحرب تكلف أيضاً بنى العدو التحتية عملاً إرهابياً. هذا هو جوهر المعايير المزدوجة المنفرة والمنافقة للغرب المسمى ديمقراطياً.
خلال حربي روسيا والشيشان اتُّهم المجاهدون منهجياً بالإرهاب بسبب أفعال تُسمى اليوم في سياق مختلف بالحرب غير المتماثلة ومقاومة مشروعة وضغطاً على العدو.
كانت عمليات التخريب التي قام بها مجاهدو الشيشان في خطوط الاتصال والهجمات على المنشآت العسكرية والضغط على البنى الاقتصادية الروسية، والهجمات على شبكات اللوجستيات والنقل، كلها تُصنَّف إرهاباً.
حتى عندما نوقش النضال من أجل الاستقلال بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وأعلنت الشيشان سيادتها وحاولت بناء دولتها الديمقراطية (!) وُصفت رغبة الشيشان في التحرر من الاحتلال السوفييتي (الروسي) بـ«الإرهاب».
قبل المجتمع الدولي إلى حد كبير الصيغة الروسية: «عملية مكافحة الإرهاب» وسُكت عن خسائر المدنيين ومخيمات التصفية وعمليات التطهير أو بُرّرت بـضرورة مكافحة قطاع الطرق والإرهابيين.
قرر الغرب عموماً أن يغمض عينيه عما حل بالشعب الشيشاني، لأن عدم إفساد العلاقات مع موسكو كان أسهل جيوسياسياً. تذكروا أن أوروبا وحدها، حسب يافلينسكي، ضخّت ٥٠ مليار يورو في اقتصاد الجيش الروسي وسط الإبادة الجماعية في الشيشان.
اليوم تواجه الأساليب نفسها والخطابة نفسها وفي الغلاف الأوكراني رد فعل مختلفاً تماماً. التحذيرات من «السماء الخطرة» أي تهديد الإرهاب الجوي أساساً والهجمات على البنية التحتية والهجمات على السفن المدنية وقصف المباني السكنية، كلها تدخل في رواية «الدفاع العادل».
لا يطالب أحد بجدية بإعلان قيادة أوكرانيا نظاماً إرهابياً بل تتلقى أوكرانيا مساعدات هائلة: سلاحاً ومرتزقة ومساعدات مالية ومعلوماتية ودعماً سياسياً.
الازدواجية نفسها ظاهرة تجاه غزة. عندما يتعلق الأمر بالقتل الجماعي للمدنيين، بمن فيهم الرضع والأطفال، يجد معظم المؤسسات السياسية الأوروبية مبررات مستندة إلى حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها والسياق المعقد وضرورة تدمير البنية التحتية الإرهابية.
تتحول إحصاءات الضحايا إلى موضوع نقاش حول المنهجية، لا سبباً لإدانة شديدة وإجراءات فعالة لوقف المجزرة. أما في الشيشان فلم يكن هناك مثل هذا الترف في التفسير.
هذا لا يعني أن كل النزاعات متشابهة بل تختلف المقاييس والوضع الدولي ووجود دول معترف بها أو عدمه وطبيعة الجماعات.
لكن المبدأ الذي يظهره الغرب يبقى واحداً: شرعية العنف (الإرهاب) لا تُحدد بطبيعة الأفعال، بل بمن يرتكبها وضد من ومن يقف خلفها.
الكاتب: أبو عامر (خالد الحموي)




