
أبو شعيب طلحة المسير : السامري والسجون البعثية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.. وبعد؛
فقد أهلك الله جل وعلا فرعون وهامان وجنودهما وأغرقهم في اليم، (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ).
هلك فرعون ولكن بقيت آثار الثقافة الفرعونية تعتمل في نفس السامري الجاهلية، فأراد إعادة بني إسرائيل إلى حظيرة العبودية لغير الله تعالى وذل الشرك والضلال، ولكن باسم الدين والإسلام.
لقد رأى السامري آثار جبريل عليه السلام على الأرض حين نزل إليها، فعمد إلى أخذ قبضة من التراب المبارك الذي فيه آثار جبريل عليه السلام، وصنع عجلا من الذهب، وألقى التراب على الذهب، فخرج للعجل صوت خوار فتنة واختبارا للناس (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي)، فقال الضالون عندما سمعوا خوار العجل: (هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ).
وحيث إن العبرة بعموم اللفظ فقد توعد الله جل وعلا السامريين ومن سار على دربهم عبر التاريخ من المفترين الذين يستخدمون الدين لنقيض مقصده بالغضب والذلة في الدنيا قبل الآخرة، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ) قال ابن كثير: “(وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ) مسجلة لكل صاحب بدعة إلى يوم القيامة”، وقال السعدي: “فكل مفتر على الله، كاذب على شرعه، متقول عليه ما لم يقل، فإن له نصيبا من الغضب من الله، والذل في الحياة الدنيا”.
وإننا في الثورة السورية الشامخة والجهاد الشامي المبارك منَّ الله علينا بتحرير أراض من النظام البعثي الكافر، ولكن بقيت ثقافته البعثية متغلغلة في نفوس بعض المتنفذين؛ فاستخدموا الأساليب السامرية لإعادة الأساليب البعثية للمجتمع.
لقد تمسحوا بآثار الوحي والشريعة ورددوا شعارات الإسلام والجهاد، ولكن ليتسلطوا على الأمة ويذيقوها سوء العذاب، فأعادوا -وكثير منهم كانت نشأته الأولى بعثية- سنة البعثيين في السجون الأمنية بالظلم والطغيان والتعذيب والقتل والتنكيل والإهانة والكذب والافتراء؛ فذاق المجاهدون والشعب الثائر منهم الويلات، بلا مراعاة لأحكام الإسلام ولا مروءة العرب ولا أخلاق الإنسانية.
لقد أصبح عقد المقارنات بين السجون الأمنية البعثية في إدلب والسجون الأمنية البعثية في دمشق وحلب أمرا مألوفا في المجتمع، فهذه تُذكِّر بتلك، ومآسي اليوم استمرار لمآسي الأمس، وصحيح أن السجون الأمنية البعثية التي يديرها بشار وزبانيته أقسى وأطغى من السجون الأمنية البعثية التي يديرها الجولاني وزبانيته، ولكن هذا لا ينفي أن تكون سجون الجولاني الأمنية أقسى وأطغى في عدد من الجوانب من سجون الأمريكان في جوانتنامو وأبي غريب وباجرام، وكذلك أقسى وأطغى في عدد من الجوانب من كثير من السجون في الجزيرة العربية والأردن والمغرب.. وغيرها من البلاد، وقد رأى القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة مساجين من المسلمين في السلاسل يطلبون الصدقة من الناس، فقال: “وما أظن أهل الشرك يفعلون هذا بأسارى المسلمين الذين في أيديهم؛ فكيف ينبغي أن يُفعل هذا بأهل الإسلام!” فكيف لو رأى ما يُفعل بأهل الإسلام اليوم في سجون إدلب الأمنية البعثية التي تتدثر زورا وبهتانا باسم الثورة والجهاد والإسلام؟!
إن سقوط حكم الجاهلية “فرعون مثلا” لا يعني سقوط الجاهلية من كل النفوس “السامري مثلا”، وإن زوال الطغاة لا يعني زوال الطغيان من كل النفوس؛ فعوائد الطغيان تؤثر في بعض النفوس المتسلطة في المجتمع فتحتاج تلك النفوس إلى استمرار مجاهدة المجتمع لها لاقتلاع فتنتها المدمرة، حتى يؤول أمر طغيانها وسجونها إلى ما آل له أمر عجل السامري: (وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا).
* إن هذه الشهادة عن سجون الجولاني الأمنية البعثية التي تحذو حذو سجون بشار الأمنية البعثية في كثير من الجوانب هي جزء صغير من الحقيقة التي وصلت إلى كاتب هذه الرسالة جزاه الله خيرا، وما لم يصله أكثر وأشنع، والعادة أن الصورة الأشمل لواقع سجون الطغاة لا تظهر إلا بعد هلاك الطغاة أو خروج الأسرى من أماكن سيطرتهم، وكما ظهرت بالأمس كتب عن جرائم النظام البعثي في سجن تدمر؛ مثل: “تدمر شاهد ومشهود”، و”حمامات الدم في سجن تدمر”، و “خمس دقائق وحسب”، و”الطريق إلى تدمر”، و”خلف أسوار تدمر”، و”القوقعة”، و”رحلة في سجون الطاغية”..؛ فالمتوقع أن تكثر مع الأيام الكتب والشهادات عن سجون الطغيان في إدلب، وأن نقرأ عن “مجازر سجن العقاب”، و”جرائم سجن حارم”، و”فظائع سجن الزنبقي”، و”مآسي سجن البادية”..؛ فما شهادات الإخوة بلال عبد الكريم وأبي العبد أشداء وأبي العلاء الشامي وأبي حسام البريطاني وأبي حمزة الكردي وغيرهم إلا غيض من فيض من أناس استطاعوا التخفي أو الابتعاد عن بطش الطاغية، أما الذين يخافون إلى اليوم على أنفسهم إن تكلموا أو لا يزالون في الأسر فكثيرون كثيرون.
* أسأل الله أن يعجل بزوال الطاغية وسجونه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.
أبو شعيب طلحة المسير
حلب في 11 شعبان 1443 هـ