الرد على شبهة الاحتجاج بالهزائم للطعن في المنهج
من أغرب ما يُتداول اليوم: أن يقوم بعضهم بالاحتجاج ببعض الهزائم التي نزلت بالمسلمين ليقدح في مناهج أهل الحق، ويرمي مواقف الثبات والجهاد والصبر بأنها «عنتريات». وهذا ليس خطأً في الفقه فحسب، بل انحراف في فهم الدين، ونكوصٌ عقدي، وسقوطٌ في فكرٍ انهزاميٍّ ماديٍّ لا يمت لسنن الله بصلة.
أولًا: النصر بيد الله وحده… وليس بأيدي الواقعيين أصحاب الحسابات الأرضية
هؤلاء يتحدثون عن النصر كأنه صناعة بشرية محضة، وكأن الحق لا يُعرف إلا بخط بيانيٍّ صاعد، أو معادلات مادية بحتة!
والله عز وجل يقول: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}
فالنصر قد يكون ماديا وقد يكون معنويًا: ثباتًا، وإقامة للحجة، ورفعة لدرجات أهل الإيمان، وتمحيصًا للأمة، وتعريةً للمنافقين.
أما أصحاب هذه النظرة فيَرَون كل شيء بمنظار واحد: «مَن غلب فهو صاحب الحق».
وهذا جهلٌ فاضح بسنن الابتلاء والتمحيص.
ثانيًا: لو كان النصر الدنيوي معيار الحق… لكان الحجاج من أولياء الله!
انظر إلى المثال الذي يكشف تهافت هذا المنطق:
الحجاج بن يوسف، الظالم الجبار، غلب عبدالله بن الزبير رضي الله عنه، وقتله، واستولى على مكة.
فهل كان الحجاج على حق لأنه انتصر؟
وهل كان ابن الزبير على باطل لأنه قُتل؟
الأمة بأسرها أجمعت على:
– عدالة ابن الزبير وفضله وزهده وجهادِه
– واتفقت كذلك على ضلال الحجاج وبغيه، بل اختلف العلماء في تكفيره لكثرة جرائمه.
ومع ذلك… المنتصر على الأرض كان الحجاج.
فهل يقول عاقل إن النصر الدنيوي وحده هو ميزان الحق؟ إن قالها قائل، لزمه القول بأن الحجاج وليٌّ من أولياء الله، وهذه نتيجة تكفي لفضح هذا المنهج من أصله.
ثالثًا: أصل ضلالهم أنهم بنوا دينهم على التجارب والنتائج
هذه الشبهة نابعة من عقلٍ يُدير الإيمان بمنطق: «جرّب وانظر من ينتصر».
لا بمنطق الوحي، ولا بمنطق اليقين، ولا بمنطق الثبات.
الله عز وجل لم يكلّف العباد بالنتائج؛ بل كلّفهم بالحق، والبلاغ، والصبر، والتقوى، والجهاد ثم قال: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ}، {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ}
وأما النتائج فهي من دائرة حكمته وحده، يعطيها من يشاء، وفي الوقت الذي يشاء، لحكمة قد تخفى على أكثر الناس.
رابعًا: وهذا في حقيقته… دين البراغماتية وليس دين الإسلام
القوم -من حيث لا يشعرون- استبدلوا دين الله بدين البراغماتية.
دينٌ لا يعرف الوحي، ولا يعرف الثبات، ولا يعرف مبدأ «اتِّبِع الحق ولو كنت وحدك».
دينٌ يرى الحق بقدر ما ينتج من مكاسب، ويقيس الباطل بقدر ما يجرّه من خسائر…
دينٌ لا يعرف صبرًا ولا ابتلاءً ولا جهادًا ولا تمحيصًا، بل يعرف فقط: «أين تقف المصلحة اليوم؟» «ومن الرابح الآن؟»
ثم يجعل ذلك معيارًا في العقيدة والمنهج. وهذا ليس مجرد خطأ، بل انقلاب على دين الأنبياء، وتبنيٌ لفلسفة مادية دنيوية لا علاقة لها بالوحي.
فمن جعل النصر الدنيوي معيارًا للحق، فقد دخل في دين آخر اسمه: دين البراغماتية، لا دين الإسلام الذي قال فيه الله تعالى: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ}، {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ}
الخلاصة
الاحتجاج بالهزيمة على بطلان المنهج:
– فساد في الفهم
– وجهل بسنن الله
– وسقوط في التفكير المادي
– واستبدال للحق بالنتيجة
– وتحويل للدين إلى مشروع دنيوي براغماتي
ومن قال بأن الهزيمة دليل بطلان، والنصر دليل حق، فقد قال قولًا لو طُبِّق لكان الحجاج هو المحق، وابن الزبير هو المبطل… وهذه لوحدها كافية لإسقاط هذا الباطل من جذوره.





