استراتيجية الأنفاق و مشهد كسر هيبة الجيش الذي وصف يوما بأنه لا يقهر
في السابع من أكتوبر وقف العالم مذهولا أمام مشهد كسر هيبة الجيش الذي وصف يوما بأنه لا يقهر. لم يكن التفوق بمقاتلات الجيل الخامس أو بمنظومات الدفاع الجوي المليارية، بل كان سلاحا قديما قدم الأرض نفسها طورته عقول المقاومة في غزة، ليصبح المعضلة الأمنية التي لا حل لها، وهي الأنفاق.
لقد قلبت كتائب القسام موازين القوى التقليدية فبينما يتباهى العالم بأسلحة الردع النووية والإلكترونية أعادت غزة الاعتبار لاستراتيجية الحرب من تحت الأرض، هذه الاستراتيجية جعلت العدو يطارد أشباحاً لا يراهم إلا حين يباغتونه من حيث لا يحتسب، وهكذا أثبتت غزة انتصار القوة التقليدية على مكتشفات العصر.
1. إرث العثمانيين(اللغامين):
ما تفعله المقاومة اليوم ليس بدعا من الخيال بل هو امتداد لعبقرية عسكرية إسلامية تجلت في أبهى صورها لدى العثمانيين، ففي فتح القسطنطينية عام 1453م، استخدم السلطان محمد الفاتح فرقة متخصصة تعرف بـ (اللغامين) (Lağımcılar) الذين كانوا يحفرون خفية تحت أسوار المدينة الحصينة التي عجزت المدافع عن دكها ليصلوا إلى أساسات القلاع ويقوموا بتفجيرها أو التسلل من خلفها، وبرزت هذه الاستراتيجية أيضا في حصار فينا وبلجراد حيث كانت الأنفاق هي الوسيلة الوحيدة لخرق الحصون التي لا تهزم، فيما كانت وسيلة لتهريب الطعام إلى سراييفو المحاصرة 42 شهرا من قبل الصرب.
2. إعجاز الحفر:
من المذهل أن شعبا محاصرا وجائعا استطاع حفر شبكة أنفاق يقدر طولها بـ 500 كيلومتر بمعدات بدائية، وهذا الرقم ليس مجرد مسافة، بل هو ملحمة من الصبر والتحدي، فكيف لدولة محصنة تكنولوجيا أن تعجز عن كشف مترو غزة؟ والسر يكمن في الإيمان بجدوى الأرض كدرع وحليف، كما آمن بذلك محمد الفاتح قديما.
3. لماذا غابت استراتيجية الأنفاق عن خيارات الدول الكبرى؟
يطرح الواقع تساؤلا منطقيا وعاطفيا: إذا كانت ثلة من المقاومين في بقعة جغرافية ضيقة قد فعلت كل هذا فماذا لو تبنت دول إقليمية كبرى هذا الفكر؟
والجواب: لو وجدت الإرادة السياسية لكان من الممكن تحويل تضاريس المنطقة (من درعا والجولان، أو عبر حدود الأردن والعراق) إلى شبكة إمداد تحت الأرض، تصل إلى قلب القدس بعيدا عن رقابة الطيران، لأن الأنفاق تلغي ميزة التفوق الجوي وتجعل الأقمار الصناعية وطائرات الاستطلاع مجرد أدوات عمياء لا ترى ما يدور في عروق الأرض، وهذه الفكرة لا تحتاج كثير عناء أو عظيم مال، بقدر ما يحتاج إلى غض الطرف من قبل الحكام أو الجيوش، وفتح آفاق الدعم اللوجستي لتمكين المقاومة من توسيع رقعة وصولها.
4. تبني فكر الجهاد والمقاومة:
إن الحل لتحرير فلسطين ليس بالانتظار السلبي بل في تبني فكر الجهاد والمقاومة وتعميمه، وعلى الأمة الإسلامية أن تدرك أن سلاح الأنفاق هو السلاح الذي يعيد التوازن، فهو لا يحتاج لمصانع طائرات بل يحتاج لرجال يؤمنون بأن الطريق إلى القدس يبدأ من تحت ركام الحصار.
5. الخلاصة:
الخلاص في أداء الواجب، وذلك في أمور كثيرة منها:
١- الدعم المالي والتقني لتطوير تقنيات الحفر العثمانية بروح عصرية.
٢- بناء شبكات إمداد عابرة للحدود تتجاوز الجدران العازلة والرقابة الإلكترونية.
٣- الاقتداء بنموذج غزة في تحويل الضعف المادي إلى قوة زلزال تحت أقدام المحتل.
لقد أثبتت غزة أن الإرادة تطوع الصخر، وأن التكنولوجيا تسقط أمام عبقرية الإنسان المؤمن، وأن الأنفاق هي ممرات العزة التي شقها العثمانيون قديما، ووسعها القساميون حديثا، لتنتصر الأنفاق على تكنولوجيا الطائرات، وتقودنا إلى محبوب الجماهير المسلمة، حيث المسجد الأقصى المبارك.





