هوية الثورة السورية الإسلامية
ما حدث في الدول العربية بعد الثورات عام 2011 خير دليلٍ؛ حيث لم تجتمع شعوب هذه الأجزاء حول كيانٍ أو جهازٍ يحقق التوازن والاستقرار والتركيز على الهدف، بل تشظَّتْ في اتجاهاتٍ كثيرةٍ بعامل جاذبياتٍ كثيرةٍ خارجيةٍ وداخليةٍ، ومن أهمِّ الأمثلة الثورة السورية في الشام، حيث كان لغياب ال”جيروسكوب” فيها الدور الأكبر في تراجع الثورة وضياع مكتسباتها الجيوسياسية، لكنها بقيت محافظةً بطريقةٍ جَمْعِيَّةٍ على مبادئها، رغم قفز الكثيرين ممن ادعوا الانتماء إليها إلى اتجاهاتٍ مصلحيةٍ جزئيةٍ أو شخصيةٍ تُخِلُّ بها وتُشتِّتُ توجهها وتكاد تقضي عليها.
لا يستطيع أحدٌ أن ينكر هوية الثورة السورية الإسلامية، هذا واضحٌ لا مراء فيه، فنسبة واحدٍ في المائة (1 ٪) التي أيدت الثورة من غير المسلمين لا تجعلها ثورة عَلمانية أو تعددية، وكونُ الثورة إسلاميةً لا يبخس غيرها حقهم ولا يؤدي إلى ظلمهم، ففي مبادئ الإسلام ما ينصف الناس ويعطي كل ذي حق حقه، لكن هل استطاعت الثورة إيجاد حالة التوازن والاستقرار والتركيز على الهدف بعد هذه السنوات التي مضت من عمرها، وما هو الهدف الجامع للتسعة والتسعين في المائة (99 ٪) من أبنائها؟.
يعلم كل أبناء الثورة السورية والمتابعون، وأبناء الحالات المشابهة على امتداد جغرافيا الأمة، أن سبب الاحتواء والانكفاء هو التبعيات الجزئية والمصالح الموهومة الجزئية، التي تتخذ غايةً غير شرعيةٍ، أو تعتمد وسيلةً غير شرعيةٍ بناءً على مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وبذلك ينفرط العقد وينحلُّ رابط القوة الذي يجمعهم، وتغيب المرجعية الجامعة وتُحارَبُ إن وجدت، لأنها تدعو إلى الجاذبية الإسلامية التي تعيب كل الجاذبيات الأخرى وتقضي عليها بالتدريج، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومن اقتدى به من أبناء الأمة.
مبادئُ ثابتةٌ، وهدفٌ واضحٌ، ووسائلُ شرعيةٌ نظيفةٌ، هذا ما يطلبه عددٌ كبيرٌ من أبناء الأمة حتى يتخذوا من ينادي بها ويصدق في تبنيها رائداً أو قائداً كي يتبعوه، وهم منصورون بنصر الله عندما يعملون بهديه وما يرضى، تثبت ذلك أمثلةٌ قريبةٌ منها أفغانستان حديثاً، فحتى إن تحالفت الدنيا ضدهم أو حاولت فتنتهم وتَنَازُعَهُم لن تفلح، طالما أن الجاذبية التي اعتمدوها لاستقرارهم هي الأقوى، ولقد أثبت التاريخ أن جاذبية العقيدة والشريعة الإسلامية أقوى وأصدقُ وأثبتُ وأوحدُ من الجاذبيات الأخرى، إن كانت قوميةً أو وطنيةً أو مناطقيةً أو حزبيةً، مصلحيةً ذاتيةً أو تبعيةً.
الجيروسكوب يجب أن يكون متصلاً بالجسم الذي يحتويه، يتحسس الجسم، والجسم يتحسسه، يدور بسرعةٍ زاوِيَّةٍ هي سبب بقائه متوازناً، وهذا يعني أن الجيروسكوب الاجتماعي عليه أن يتصل بأمتهِ مباشرة، وأن يدور في واقعها ليعلم تفاصيله كلها ويتصرف فيها بما يتناسب مع جاذبية المبدأ، فيتزن الجسم بتوازنه، ومهما تقاذفت هذا الجسم الاجتماعي أمواجُ ورياح الفتن والمحن ومكرُ الأعداء وضرباتهم، يبقى ثابتاً محافظاً على الاتجاه والهدف، هذا الهدفُ الذي يستحق العمل لأجله والتضحيةَ والفداءَ هو سبيل الله مهما تعددت وتزينت وتبهرجت السُّبُل.
إن في قصة بني إسرائيل مع طالوت لعبرةً تثبت الفكرة التي في هذا المقال، فاقرأوها في سورة البقرة من القرآن الكريم، والحمد لله رب العالمين.
أبو يحيى الشامي
محمد بوغيث الحديدي
في 2022





